تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٩١
إلى رضوان اللّه المؤدى إلى دار النعيم فى الآخرة التى هى الجنة الباطنة.
و قوله إن فى الجنة شجرة تخرج من أصلها خيل بلق فالشجرة فى التأويل هاهنا صاحب الزمان و هو الشجرة التى وصفها اللّه فى كتابه و الناس فى الباطن أمثال الشجر و هذا مثل ظاهر فى لسان العرب قال صلى اللّه عليه و سلم: الناس من شجر شتى و أنا و عليّ من شجرة واحدة، و قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي السَّمٰاءِ تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا وَ يَضْرِبُ اللّٰهُ الْأَمْثٰالَ لِلنّٰاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مٰا لَهٰا مِنْ قَرٰارٍ» [١] فالشجر أمثال الناس على قدر أحوالهم و ارتفاعهم و اتضاعهم، و كذلك الشجر و الخيل فى التأويل أمثال الحجج يخرجون من قبل صاحب الزمان و البلق هو أن فيهم من كل لون من العلم و الحكمة.
و قوله صلى اللّه عليه و سلم مسرجة أى متهيئة لمن يفيد منها ملجمة ممنوعة من الخروج عن حدودها فى القول إلى ما لم يطلق لها.
و قوله لا تروث و لا تبول يعنى أنهم لا يحدثون أحداثا فى دينهم و قد بينا معنى الغائط و البول عند ذكر الطهارة و أهل عليين أهل معالى درجات فى الدين و استواؤهم على الخيل استواؤهم على دعوة دعاتهم كما قال تعالى: «وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغٰالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهٰا وَ زِينَةً» [٢] و سيأتى بيان ذلك فى موضعه إن شاء اللّه تعالى و الذين هم أسفل منهم دونهم فى الدرجات من المؤمنين.
و قوله كانوا يصومون النهار، تأويله فى الباطن كتمانهم سر أولياء اللّه الّذي أخذ عليهم فى كتمانه أن يظهروه فى الظاهر لغيرهم و كان غيرهم يظهر ذلك و قيامهم فى الليل قيامهم بالباطن و غيرهم غافلون و هم أمثال النوام.
و قوله كانوا يتصدقون و كنتم تبخلون فالصدقة فى الباطن إرشاد من ضل و نيل من افتقر من العلم بالعلم المأذون فيه لمن ينيل ذلك و يرشد غيره به و الجهاد فى الباطن جهاد الأنفس فيما تدعو إليه من المحظور عليها الممنوع منها فهذه جملة القول فى باطن ما جاء فى هذا الخبر مختصرة و ظاهر ذلك معروف و الواجب على المؤمنين
[١] سورة إبراهيم: ٢٤- ٢٦.
[٢] سورة النحل: ٨.