تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٥٤
الباطن و لا يقوم ظاهر إلا بباطن و لا باطن إلا بظاهر [١].
و من ذلك أيضا قول الأئمة صلى اللّه عليهم إن الإيمان قول و عمل و نية، فمثل القول مثل الظاهر و مثل العمل مثل الباطن لأن القول بالشهادتين هو الّذي يوجب الدخول فى الملة، و لمن شهد بذلك حكم الملى، و العمل المفترض فى حكم الشريعة الّذي مثله مثل الباطن مستور عن الناس إنما هو فيما بين العبد و بين ربه. فإذا قال قد تطهرت و صليت و صمت و تزكيت و تعلمت ما أوجبه اللّه عليّ لم يكلف على ذلك البيان و لا أن يأتى عليه بشهود إلا فيما يجب لغيره من ذلك عليه إذا طولب به فأمّا ما بينه و بين اللّه مما تعبده به فهو مأمون عليه و اللّه يعلمه و يجزيه به و من قال إن الإيمان قول بلا عمل كما قالت المرجئة فهو بمنزلة قولهم إن الدين ظاهر لا باطن له.
و قد جاء فى كتاب الدعائم بيان فساد قولهم بذلك و مثل النية التى لا يصح القول و العمل إلا بها كما جاء بيان ذلك أيضا فى كتاب الدعائم مثل الولاية لأن النية اعتقاد القلب و الفرض فيه و مثل القلب فى التأويل كما تقدم القول بذلك مثل الإمام فمن لم يعتقد ولاية إمام زمان لم ينفعه قول و لا عمل و لم يصح له ظاهر و لا باطن و لا يصح اعتقاد ولاية الأئمة إلا بعد اعتقاد رسالة الرسل الذين هم أصل الشرائع و الذين أقاموها و الأئمة أتباع لهم فيها و آخذون عنهم ما بأيديهم منها لكل نبى منهم أئمة شريعته إلى منتهى حده و انقضاء أدوار أئمته على ما قدمنا ذكره و أنه لا بد من التصديق بجميع الرسل و الأئمة و العمل بما أتى به صاحب شريعة أهل العصر و أمر إمامهم و طاعته و البراءة من كل من فارق الرسل و الأئمة أو ادعى مقام أحد منهم ممن ليس ذلك له.
و أمّا ما ذكر فى كتاب الدعائم من ذكر الفروض على الجوارح فقد جاء فيه بيان ظاهر ذلك و ما على كل جارحة من جوارح الإنسان و ما يلزمها من العمل و لذلك تأويل فى الباطن كما هو للجوارح من الأمثال.
و أمّا ما قيل إن الإيمان عمل كله و القول بعض ذلك العمل، فتأويل ذلك أن الباطن الّذي هو مثل الإيمان عمل كله لأنه لا يخلق شيء منه من أن يكون عملا
[١] و هذا مصداق قول اللّه تعالى: «قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ».