تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٨٦
يخاطبه شيء و يخاطب بذلك من شاء من الناس و ليس ذلك مما أخذ عليه فى كتمانه بل توحيد اللّه و تنزيهه عن الصفات أحق ما أعلن و جهر به.
و يتلو ذلك ما جاء عن على صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: الضحك يقطع الصلاة فأما التبسم فلا يقطعها و ما جاء بعد ذلك من أن يوقر العبد صلاته من ذلك إذا قدر عليه أفضل و الضحك من التلاعب و الاستهزاء و التبسم هو الرمز بذلك و الإشارة إليه و ذلك ما لا ينبغى أن يتعمد فى ظاهر الصلاة و لا فى باطنها و لا يفعل ذلك مقبل على صلاته مشتغل بها كما جاء الأمر بذلك و إنما يعترى مثل ذلك فى ظاهر الصلاة و فى باطنها من ترك الإقبال عليها و صرف وهمه إلى ما يوجب ذلك من غيرها فإن تفاحش ذلك حتى يكون ضحكا فى الظاهر أو ما هو مثله من الاستهزاء و التلاعب و العبث فى دعوة الحق التى هى باطن الصلاة خرج بذلك منها و قطعها و إن كان ذلك رمزا خفيّا و إشارة فليس يقطعها ذلك فى الظاهر و لا فى الباطن و ليس فعل ذلك بمحمود و تركه و التحفظ منه واجب على المصلى فى الظاهر و الباطن.
و يتلو ذلك ما جاء عن الصادق صلى اللّه عليه و سلم أنه قال فى الرجل يريد الحاجة و هو فى الصلاة أن يسبح أو يشير أو يومئ برأسه و إذا أرادت المرأة الحاجة و هى فى الصلاة صفقت بيدها، تأويله أن الرجل كما ذكرنا مثله فى الباطن مثل المفيد، و المرأة مثلها مثل المستفيد، فإذا أراد المفيد أن يتكلم بحضرة المستفيدين منه بأمر لم يبلغوا إلى حده فلا بأس أن يومئ إلى ذلك و يرمز فيه و الرمز و الإشارة و الإيماء غير الكلام، قال تعالى لزكريا عليه الصلاة و السلام: «آيَتُكَ أَلّٰا تُكَلِّمَ النّٰاسَ ثَلٰاثَ لَيٰالٍ سَوِيًّا» [١] ثم قال: «فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرٰابِ فَأَوْحىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا» [٢] و الوحى هاهنا فى اللغة الإشارة، و قال حكاية عن مريم عليها الصلاة و السلام: «فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» [٣] ثم قال فأشارت إليه، و سيأتى شرح هذا و ما قبله بتمامه فى موضعه إن شاء اللّه تعالى، و مثل تصفيق المرأة إذا أرادت الحاجة و هى فى الصلاة مثل تنبيه المحرم من أراد تنبيهه من أمثاله و غيرهم على ما يريد أن ينبههم عليه من الحق بمعاريض الكلام و من غير أن يومئ و لا يشير و لا يلفظ بشيء من سر الدعوة المستورة فى ذلك.
[١] سورة مريم: ١٠.
[٢] سورة مريم: ١١.
[٣] سورة مريم: ٢٦.