تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٢٩
و إن لم يخف ذلك و تطهر و مات فهو شهيد فإن باطنه إن من علم من نفسه ضعفا و قلة احتمال لما يستفيده من العلم الباطن و خاف أن يكون ما يستفيده من ذلك يخرج إلى حد الكفر و الضلال فإن الّذي ينبغى له أن يقتصر على ظاهر علم أولياء اللّه حتى يكتسب قوة على احتمال الباطن و لا يعرض نفسه للهلاك إذا تداخله الضعف و خالطه الشك.
و أمّا قوله إنه إن لم يخف ذلك فتطهر فإن مات فهو شهيد فذلك فى الباطن المؤمن القوى على احتمال ما يلقى إليه من الحق يقصده و يطلبه و هو قوى على احتماله و نيته و قصده الحق فيلقى إليه الّذي يفيده ما يهلكه بسوء رأيه فيهلك عن غير قصد منه و لا على بالهلكة فيكون مفيده الّذي قتله بما ألقى إليه مما لم يكن ينبغى له أن يلقى إليه فيكون كالمقتول ظلما يقال له شهيد على المجاز و الشهداء بالحقيقة هم أولياء اللّه من أنبيائه و أئمة دينه فمن تولاهم نسب إليهم وعد منهم على المجاز كما قال تعالى:
«وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ» و قول إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم فمن تبعنى فهو منى و يكون المفيد الّذي قتله بما ألقى إليه قاتلا فإن كان ذلك منه عن عمد و قصد كان ممن قال اللّه فيه: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا الآية» [١] و إن قتله عن غير عمد لما كان منه لقتله كان قتله إياه خطأ و كان ممن قال تعالى فيه: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلّٰا خَطَأً الآية» و سنذكر عند ذكر القصاص و الديات تمام البيان فى ذلك إن شاء اللّه تعالى.
و يتلو ذلك من كتاب الدعائم ما جاء عن الأئمة صلى اللّه عليهم و سلم أنهم قالوا من لم يكن معه من الماء إلا شيء يسير يخاف عليه إن هو توضأ به أو تطهر أن يموت عطشا فإن له أن يتيمم و يبقى الماء لنفسه و لا يعين على هلاكها كما قال تعالى:
«وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِكُمْ رَحِيماً» [٢] فتأويل ذلك فى الباطن أن يكون المحدث فى الدين حدثا يجب عليه فيه الطهارة بالعلم على ما تقدم به الشرح لا يجد عند من يفيده ذلك إلا قدر ما يثبته على الإيمان الّذي يعتقده و لا يجد عنده مزيدا يزيل به عن نفسه نجاسة ما قارفه و أحدثه و حاله فى ذلك حال من لم يجد مفيدا فى
[١] سورة النساء: ٩٣.
[٢] سورة النساء: ٢٩.