تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٣٥
لٰا يُصَدَّعُونَ عَنْهٰا وَ لٰا يُنْزِفُونَ» و قوله: «فِيهٰا أَنْهٰارٌ مِنْ مٰاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَ أَنْهٰارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَ أَنْهٰارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّٰارِبِينَ وَ أَنْهٰارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [١] و ذكر تعالى أن ذلك كله، فى الجنة، و مثل الجنة فى الباطن مثل الدعوة لأنها سبب الوصول إليها و كل ما فيها أمثال الماء فى الجنة و اسمها مشتق من صفتها لأن الجنة مشتقة من الاجتنان و هو الاستتار و الدعوة و ما فيها من حدودها مستورة و المعين فى اللغة هو الماء الجارى و هو المعن أيضا و جاء فى القرآن صفة الخمر فكان كذلك كما وصفنا فى باطنه أنه يكون فى حالة من أحواله ماء و فى حالة خمرا يحل ذلك العلم الّذي هو باطنه لقوم و هم الذين يحتملونه و لا يغير حالهم فيكون مثله مثل الماء و يحرم على من لا يقوم به و لا يحتمله و يكون مثله مثل الخمر و من ذلك قوله تعالى: «لٰا يُصَدَّعُونَ عَنْهٰا وَ لٰا يُنْزِفُونَ» [٢] قال بعض أهل التفسير لا يتفرقون عنها كما لا يتفرق الذين يجتمعون على الشراب فى الدنيا و قال آخرون لا يصدعون من الصداع الّذي يعترى من شرب الخمر فى الدنيا و هذا أصح القولين لأنه قال فى موضع آخر: «لٰا فِيهٰا غَوْلٌ وَ لٰا هُمْ عَنْهٰا يُنْزَفُونَ» و الغول فى اللغة الصداع و قوله ينزفون النزف فى اللغة الذهاب يقال نزفت البير إذا ذهب ماؤها و نزف دم الرجل إذا ذهب و يقال للسكران نزيف و منزوف لذهاب عقله. و ذهب بعض أهل التفسير فى قوله ينزفون إلى ذهاب أموالهم لما ينفقون فيها فأخبر تعالى أن ذلك لا يصيب من شرب الخمر فى الجنة و لا يشربها هناك إلا من استحق شربها و كذلك هو فى الباطن أن العلم لا يذهب شيئا من الفضل عن مستحقه الّذي يستحقه و يحتمله و إذا أعطيه من لا يستحقه و لا يحتمله أتلفه و أذهب ما كان من الفضل عنده فهذه جملة من القول عنده فى تأويل الخمر و سوف يأتى تمام البيان فيها عند ذكر الأشربة إن شاء اللّه تعالى.
فالذى جاء فى الخمر أنها إذا أصابت السفرة و الخوان ثم جفت فلا بأس بالأكل عليها، فتأويل السفرة و الخوان و الصفحة و كل الأوانى التى تكون أوعية للطعام و الشراب و مثلها مثل الدعاة لما يعونه من العلم و الحكمة ما ارتفعت طبقاتهم و تسافلت كما ترتفع أقدار الأوانى و تتضع كذلك و باطن ما يصيبه ذلك من الخمرة إذا جف هو مثل قبول هذه الحدود للعلم فإذا كانوا كذلك فهم على
[١] سورة محمد: ١٥.
[٢] سورة الواقعة: ٢٠.