تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٧٧
الخاشع المطيع و يقولون للرجل إذا افتقر بعد أن كان غنيّا قد ركع بمعنى أنه تواضع لفقره بعد الرفعة بالغنى، و سميت كل قومة من الصلاة ركعة لمعنيين أحدهما أنها طاعة و تواضع و حد من حدود ذلك، و الثانى لأنه إنما يكون فى كل قومة من الصلاة ركعة واحدة و لم يقولوا سجدة لأن فيها سجدتين، فظاهر الركوع فى الصلاة يراد به الطاعة و الخشوع للّه و ذلك هو الّذي يعتقد فيه و ينوى به و يجوز أن يسمى الركوع سجودا إلا أن ذلك لم يستعمل. و قد جاء فى قول اللّه تعالى حكاية عن داود قوله:
«وَ خَرَّ رٰاكِعاً وَ أَنٰابَ» [١] و كان منه سجودا.
و جاء فى الخبر أنه بكى على الخطيئة و هو ساجد حتى بل الأرض بدموعه و أنبتت لذلك نباتا، و كذلك قد فرق اللّه بين الركوع و السجود بقوله اركعوا و اسجدوا، فكان الركوع شيئا و السجود غيره، و ذلك لا يكون إلا للّه كما قال سبحانه: «وَ لِلّٰهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً» [٢] و قال: «لٰا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لٰا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلّٰهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ» [٣] فالركوع و السجود لا يكونان إلا للّه و لا يراد بهما غيره، و معناهما الّذي هو الطاعة على ما ذكرنا يكون للّه و لمن أمر بطاعته بقوله:
«أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» [٤] فكان لذلك كما ذكرنا فى التأويل مثل الركوع الّذي هو دون السجود فى التواضع و التذلل مثل طاعة الحجج، و مثل السجود الّذي هو أبلغ فى التواضع و التذلل مثل طاعة الأئمة و ليس ذلك على أنه يراد أحد منهم أو يعنى بالركوع و السجود فى ظاهر الصلاة و لكنه إنما يراد و يعنى بذلك مثل معناهما الّذي هو الطاعة فى باطنها الّذي هو دعوة الحق. و قول الراكع فى الركوع سبحان ربى العظيم ثلاث مرات، فسبحان فى اللغة فيما ذكره أهلها اسم و التسبيح المصدر و تأويلها فى المعنى عندهم البراءة و التنزيه، فإذا قال القائل سبحان اللّه فإنما هو عندهم فى مذهب الكلام براءة اللّه و تنزيهه من قول أهل الباطل فيه عز و جل، فكان قول الراكع فى ركوعه سبحان ربى العظيم و بحمده ثلاث مرات تنزيها للّه أن يقاس أو يمثل أو يشبه بشيء من خلقه، و إن ذلك الركوع و السجود و إن كانا فى التأويل مثلهما مثل طاعة صاحبى الزمان التى قرنها اللّه بطاعته فإن اللّه يبرأ و ينزه و يجل و يعظم عن أن يكون له فى ذلك شبه أو شريك أو مثل فإنه إنما افترض طاعته
[١] سورة ص: ٢٤.
[٢] سورة الرعد: ١٥.
[٣] سورة فصلت: ٣٧.
[٤] سورة النساء: ٥٩.