تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٥٣
الجنائز و النساء المؤخر، قيل يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كيف ذلك، قال لأنه أستر للنساء و خير صفوف الرجال أولها و خير صفوف النساء آخرها و لو تعلم أمتى ما فى الصف الأول لم يصل إليه إلا من ضرب بالسهام عليه، تأويل ذلك أن مثل صفوف الصلاة فى المسجد مثل ترتيب المؤمنين فى دعوة الحق على قدر درجاتهم و سبقهم إليها أولا فأولا لأن الصف الأول فى الصلاة الظاهرة إنما يقوم فيه من سبق إلى المسجد على واجب الحق فى ذلك و الّذي ينبغى يؤمر به فإذا تم الصف الأول قام فى الصف الثانى و الّذي يليه كذلك صفّا بعد صف من يأتى أولا فأولا من الناس و لا ينبغى أن يقوم الرجل فى صف و بين يديه صف لم يتم و لا أن يتخطى الرجل من سبقه إلى ما قدامه، و سيأتى ذكر ذلك فى هذا الباب فكان كذلك فى الباطن لا ينبغى أن يخلف السابق من درجته فى السبق و لا أن يقدم من تأخر عنه عليه بل ينزل كل امرئ منهم فى درجة سبقه و عمله و لا يؤخر عنها إلا أن يحدث حدثا أو يلحقه من التقصير ما يوجب تأخيره.
و أما قوله صلى اللّه عليه و سلم: إن خير صفوف الرجال أولها، فقد ذكرنا أن الرجال فى التأويل أمثالهم أمثال المفيدين و هم درجات و لهم منازل على أقدار حدودهم فمنهم الرسل و الأئمة و الحجج و النقباء و الدعاة و المأذونون على ما ذكرنا من تفضيل بعضهم على بعض درجات كما قال تعالى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنٰا بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ» [١] و قال «وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ» [٢] و قال «فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبٰابِ» [٣] و قال «يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ» [٤] و فى كثير من مثل ذلك جاء فى القرآن و عن الرسول صلى اللّه عليه و سلم، فأفضل أهل كل دعوة منهم مثل أهل الصف الأول فى الصلاة، و يتلوهم كذلك فى الفضل و الدرجات من يليهم طبقة بعد طبقة، و مثل قوله إن خير صفوف النساء آخرها، فالنساء أمثالهن أمثال المستفيدين و ينبغى لهم أن يعرفوا حقوق المفيدين فلا يتعاطوا أن يقاربوهم فى درجاتهم تعظيما لهم و معرفة بحقهم و تواضعا لهم و من تواضع لهم و تخلف عن أن يساويهم أو يقرب من المساوات بهم كان أفضل ممن يدل بنفسه عليهم و يقرب منهم متطارحا عليهم كما يكون
[١] سورة البقرة: ٢٥٣.
[٢] سورة الزخرف: ٣٢١.
[٣] سورة ص: ١٠.
[٤] سورة المجادلة: ١١.