تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٣٩
لم يفسد شيئا منه دخول من دخل فيه ثم خرج و لم يغيره و كذلك مثل موت ما ليس له دم فى الشراب و الإدام فى الظاهر و أنه لا يفسده ذلك و مثل من دخل فى علم الحق و لا علم له غيره فهلك لضعف احتماله عما تحمل منه و لم يشبه بشيء من الباطل أن ذلك لا يفسده العلم و لا يغيره، فافهموا فهمكم اللّه علم ما تعبدكم اللّه به ظاهرا و باطنا.
أعانكم اللّه على ذلك و فتح لكم فيه.
فأمّا تأويل ما جاء فى الزيت و السمن إذا مات فيه ما له دم و كان جامدا إنه إنما يفسد منه ما كان يليه منه دون سائره فمثل ذلك فى الباطن مثل من هلك كما ذكرنا ممن دخل فى العلم إذا لم يكن يتجر فيه و كان ممنوعا منه مقبوضا عليه غير ما وصل إليه من بعض حدوده و أجزائه فإنما يفسد منه ما وصل إليه و ألبسه بباطله دون غيره مما لم يصل إليه و لم يغيره بالباطل.
أما تأويل ما جاء أن ذلك يجوز و إن فسد أن يستصبح به و أن يعمل من الزيت صابون يغسل به و إن كان نجسا لا يجوز أكله و ينجس ما أصابه فإن مثل ذلك فى الباطن أن ذلك العلم الّذي ألبس بالباطل و إن كان لا يجوز اعتقاده و لا العمل به فإن اعتباره و النظر فيه و تمييز حقه من باطله جائز لأهل المعرفة و البصائر الصحيحة كما أن السراج إنما يضيء لأهل الأبصار السالمة و لا يضيء للعميان و لا ينبغى أن ينظر فيه من لا معرفة و لا بصيرة له و لا نفاذ فى العلم و اتخاذ ذلك صابونا تغسل به الثياب فى الظاهر، مثله فى الباطن أن من استخلص من ذلك العلم الفاسد من أهل التمييز و البصائر علما يضبطه و يزمه و لا يبيحه غيره كما يكون الصابون كذلك جامدا كما وصفنا فى السمن و الزيت الجامدين مثلهما من لم يطلق من العلم فإن من فعل ذلك إذا كان من أهله و علم كيف يستخلص ذلك و يحيله عن صفته التى كان عليها من الباطل إلى الحق كما علم من أحال الزيت صابونا صنعة ذلك أن له أن يستعمل ذلك العلم فى إزالة الشك و الفساد عن ظاهر دينه الّذي مثله مثل الثياب و أنها إذا اتسخت غسلت بالماء و الصابون و استنقيت، كذلك يستعمل ما يستخلص من ذلك مع العلم الحقيقى الّذي مثله مثل الماء الطاهر العذب فى إنقاء ظاهر الدين مما يتداخله من الشك و الفساد و إنما يستعمل ذلك و يتولاه من يحسنه و يقوم به ممن هو له و أذن له فيه كما لا يغسل المرء إلا ثوبه و ما أذن له فى غسله من