تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٠٧
أسرف فيه أهلكه و تفاضل المياه العذبة بعضها على بعض على قدر حالات الحاملين لها فالماء أصله كله من السماء قال تعالى: «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ» و أصل الماء عذب كله و بقاع الأرض التى يصير إليها و الآنية التى يجعل فيها بعد ذلك تحيله كذلك أصل العلم عن أولياء اللّه و استحالته إنما تكون عمن يصير إليه ممن دونهم على مقادير أحوالهم، و أما مثل الماء الّذي يحل شربه و لا ينجس ما أصابه و لا تحل الطهارة به لما خالطه من غيره من الحلال و الحرام فمثله مثل العلم المجرد فى الباطن وحده و يستعمل كذلك فى الباطن و لا تكمل الطهارة به و لا يكون إلا ظاهرا و باطنا و لا يجزى ذلك إلا بالعلم الحقيقى الجامع لذلك المأخوذ عن أولياء اللّه صلى اللّه عليهم و سلم المقصود به طهارات المستجيبين لدعوتهم فذلك جامع للطهارات الظاهرة و الباطنة و ما كان من الماء يتطهر به و لا يشرب فإنما مثله مثل ما يقصد به الظاهر وحده من العلم و ما كان يشرب و لا يتطهر به فمثله مثل ما يقصد به الباطن وحده كذلك دون الظاهر و لا ينجس الظاهر و لا يغيره و مثل الماء الآسن المتغير لقدمه مثل علم من مضى من أولياء اللّه و تقادم عهده و هو طاهر لا يضره تقادمه و استحالته للقدم و لكن ما أخذ عن إمام الزمان فهو أولى و أعلى و أشرف و أعذب و أنظف كما يكون الماء القريب العهد بالسماء.
و أمّا ما جاء فى كتاب الدعائم من أن الماء يطهر و لا يطهر فذلك أن الماء الظاهر كذلك إنما يتطهر به و لا يطهره فى ذاته غيره و كذلك العلم الّذي هو كما ذكرنا مثله إنما هو طهر للعباد و لا شيء أطهر منه فيطهره.
و أمّا ما جاء فى الدعائم من أن البحر طهور ماؤه و حل ميته و قد ذكرنا مثل ماء البحر و هو طهور ظاهر كما ذكرنا و بينا و لم يقل إنه شروب أعنى البحر الأعظم الّذي هو ملح فأما ما استجر من الماء و كان عذبا فحكمه حكم الماء العذب على ما ذكرنا و سنذكر فى باب الأطعمة إن شاء اللّه تعالى معنى قوله و حل ميتته، و قد ذكرنا طرفا من ذلك فيما تقدم عند قوله: «أحلت لكم ميتتان».
و أمّا ما جاء فى الدعائم من أن الماء لا ينجسه شيء ما دام اسم الماء واقعا عليه و صفته موجودة فيه فإذا خالطه غيره فاستحال و غلب عليه ما خالطه زال عنه اسم الماء و لزمه اسم ما غلب عليه فكذلك العلم الّذي مثله مثل الماء فى الباطن لا يفسده