تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٩٠
لمحنة تحدث و لانتهاء المدة و قيام صاحب القيامة فإذا كان ذلك لم يجد طالب العلم الحقيقى منه ظاهرا و لا باطنا و مثل النهار كما قدمنا مثل الظاهر و مثل الليل مثل الباطن فحذر عليه الصلاة و السلام من ذلك و رغب فى المبادرة.
و قوله إنما مثل الصلاة لصاحبها مثل رجل دخل على سلطان فأنصت له حتى يفرغ من حاجته كذلك المسلم إذا دخل فى الصلاة و تأويله فى الباطن أن المسلم هو كما تقدم القول به المتسلم [١] لحكم ظاهر الإسلام المقر بظاهر الشريعة فإذا هو رغب فى الدخول فى دعوة الحق كان مثله مثل رجل دخل على سلطان فى الظاهر و سلطان فى الباطن هو الّذي يأخذ عهد دعوة الحق عليه فعلى المستجيب أن ينصت بين يديه و يستمع لما يقول و يأخذ فيه عليه إلا فيما يأمره بالكلام فيه و الجواب عنه و ذلك مثل الداخل فى الصلاة لأنه لا يتكلم فى الظاهر فيها إلا بما يناجى به ربه و بالقرآن و سوف يأتى ذكر ذلك فى موضعه إن شاء اللّه. و الأمر بالإنصات و فعله واجب على الداخل فى الصلاة فى الظاهر و الباطن حتى يفرغ المصلى من صلاته فى الظاهر فيسلم منها و كذلك إذا فرغ من الآخذ عليه يسلم على الآخذ عليه و يصافحه ليعقد كما ذكرنا صفقة الدعوة و الميثاق و العهد عليه.
و يتلو ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: إن فى الجنة شجرة تخرج من أصلها خيل بلق لا تروث و لا تبول مسرجة ملجمة لجمها الذهب و سروجها الدر و الياقوت فيستوى عليها أهل عليين فيمرون على من أسفل منهم فيقول أهل الجنة يا رب بما بلغت بعبادك هؤلاء هذه الكرامة فيقال لهم كانوا يصومون النهار و كنتم تأكلون و كانوا يقيمون الليل و كنتم تنامون و كانوا يتصدقون و كنتم تبخلون و كانوا يجاهدون و كنتم تجينون، تأويل ذلك قول اللّه تعالى: «وَ لِمَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ جَنَّتٰانِ» [٢] و قوله: «وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ» [٣] فالجنة التى وعدها اللّه عباده المؤمنين فى الآخرة هى باطنة كما الآخرة باطنة و الدنيا ظاهرة و ظاهر الجنة السبب الّذي به يوصل إليها و هى دعوة الحق يلتذ المؤمنون فيها بما ينالون من الحكمة و العلم و بما به يوصل
[١] المستسلم.
[٢] سورة الرحمن: ٤٦.
[٣] سورة الذاريات: ٤٩.