تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٢٩
الجلوس فى المساجد الظاهرة للصلاة فيها و انتظارها و طلب العلم و لزوم المؤمن أيضا بيته إذا لم يكن له ما يتصرف فيه من وجوه التصرف فى الحلال دون السعى و التصرف فى الحرام أو فيما لا يعينه و ما لا يعود بخير عليه، و باطن ذلك لزوم المؤمن مجلس داعيه ليأخذ عنه و يفيد منه و هو أيضا فى الباطن بيته.
و يتلو ذلك قوله صلى اللّه عليه و سلم: جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم و بيعكم و شراءكم و سلاحكم و جمروها فى كل سبعة أيام وضعوا فيها المطاهر، فهذا أمر ينبغى استعماله فى المساجد الظاهرة لفضلها، و تأويله فى الباطن ألا يرفع المستجيب قوله على قول داعيه فيرى أو يذكر أنه أعلم أو أبلغ منه أو أن يستطيل أو يشمخ أو يرفع نفسه عليه فى حال من الأحوال فذلك كله فى التأويل من رفع الصوت، و العرب تقول لفلان صوت أرفع صوتا من فلان و فلان بعيد الصوت يعنون ذلك علو المنزلة و الذكر فى الناس و من ذلك قول اللّه: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لٰا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لٰا تَشْعُرُونَ» [١] و قد يكون أيضا ذلك من رفع الصوت نفسه عند احتجاج أو مناظرة فلا ينبغى للمرء أن يرفع صوته فى ذلك على صوت من هو أرفع منزلة و قدرا منه فيكون ذلك من الاستطالة عليه، فأما رفع الصوت عند المخاطبة البيان لمن يسمعه و البيان عنه فليس ذلك مما يكره بل فى ذلك ما يخفف عن السامع مئونة الاستفهام إذا لم يكن المتكلم أبان له الكلام فالمراد بالجملة خفض الصوت دون رفعه على ما بيناه لمن يسمع ذلك ممن هو أعلى منزلة من المتكلم من الواجب فيما بيناه و أما قوله و بيعكم و شراءكم فذلك منهى عنه أن يكون فى ظاهر المساجد أن يباع فيها و يشترى فتقام مقام الأسواق لأنها إنما بنيت للصلاة و ذكر اللّه فيها و كذلك مجالس دعوة الحق لا ينبغى أن يستعمل ذلك فيها ظاهرا و لا باطنا و باطن البيع و الشرى هاهنا تفاوض المستجيبين فيما بينهم من العلم و الحكمة و إفادة بعضهم من بعض كما يفيد المتبايعان فى الظاهر ما يتبايعانه فنهى عن ذلك لأن المستجيبين إنما عليهم إذا حضروا مجالس دعوة الحق أن يستمعوا ما يفيدهم أهلها فيها و أن ينصتوا لذلك و يحسنوا استماعه كما قال تعالى: وَ إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ
[١] سورة الحجرات: ٢.