تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٣٦
الطهارة و الأخذ عنهم جائز لأنهم لم يصيبوا من العلم إلا حدهم و ما احتملوه و وعوه و أطاقوه و قسطهم منه و ذلك مثل جفاف ما وقع من الخمر على الآنية فى الظاهر و إن كان ذلك ظاهرا بينا فيها لم يجز الأكل عليها و كان مثله فى الباطن مثل هذه الحدود إذا نالها من العلم فوق احتمالها فغير أحوالها لم يجز الإقبال عليهم و لا الأخذ منهم.
و يتلو ذلك قول الصادق جعفر بن محمد صلى اللّه عليه و سلم عن خرء الفأر يقع فى الدقيق فقال إن علم به أخرج و إن لم يعلم به فلا بأس، و الدقيق فى الظاهر هو بعض الأطعمة و هو فى الباطن على ما وصفنا من العلم و الفأر فى الباطن مثله مثل المنافق.
و قد جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه سمى الفأرة الفويسقة و خرؤه إحداثه فى الدين فإذا أدخل أحد من المنافقين شيئا مما يحدثه فى علم الدين ليلتبس به الحق بالباطل كما قال تعالى و تبين ما أدخله فى ذلك من القول أزيل و أسقط و إن خفى فيه و غلب الحق عليه لم يضره ذلك كما ذكرنا فى الماء الّذي مثله مثل العلم تقع فيه النجاسة إن ظهرت فيه أفسدته إلا أن يزول عينها منه و إن لم تظهر فيه و قهرها الماء و استهلكها لم تفسده و كذلك منزلة خرء الفأر فى الدقيق و حكمه فى الظاهر و الباطن.
و يتلو ذلك قول الصادق صلى اللّه عليه و سلم و سئل عن الكلب و الفأرة يأكلان من الخبز أو يشمانه قال ينزع ذلك الموضع الّذي أكلا منه و شماه و يؤكل سائره و هذا فى معنى ما تقدم و الكلاب فى الباطن مختلفة الأمثال كاختلافها فى الظاهر فى الأحوال فكلاب الصيد منها أمثال صغار الدعاة و المأذونين و صيدها الوحش مثله مثل استجلاب الدعاة و المأذونين من يستجلبونه بالكسر و الاحتجاج من المستجيبين و منها كلاب الحرس و الماشية فمثلها مثل من يذب عن المؤمنين ممن لا خلاق له و ممن يسترضى و يقام لذلك بما ينال من الدنيا كما يسترضى الكلاب بما تطعمه و هؤلاء هم أمثال الذين قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيهم «ينصر اللّه هذا الدين بقوم لا خلاق لهم» و منها ما هى مثل الكفار و هى الكلبة تعدو على الناس و تعقرهم و لا تصيد و لا تحوط و هذه التى ضرب اللّه بها المثل فى كتابه بالكفار فقال: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنٰاهُ آيٰاتِنٰا فَانْسَلَخَ مِنْهٰا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطٰانُ فَكٰانَ مِنَ الْغٰاوِينَ وَ لَوْ شِئْنٰا لَرَفَعْنٰاهُ بِهٰا وَ لٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ