تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٥٢
ركونهم إليه و كونهم فى دعوة الحق مع أهلها أولياء اللّه فلا يكون يوم القيامة ملجأ يلجأ إليه غيرهم.
و قوله إن فى ذلك الظل من خرج من بيته فأسبغ الطهر ثم مشى إلى بيت من بيوت اللّه ليقضى فريضة من فرائضه فهلك فيما بينه و بين ذلك، تأويل قول اللّه: «وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهٰاجِراً إِلَى اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّٰهِ» [١] و ذلك الرجل يخرج من دعوة باطل قد كان يعتقدها و مذهب فاسد كان يذهب إليه و ذلك تأويل بيته و يعتقد الدخول فى دعوة الحق و اللحوق بصاحبها فهو بيت اللّه كما ذكرنا أن أمثالهم أمثال المساجد و هى بيوت اللّه فيهلك قبل أن يصل إلى ذلك و هو معتقد لما كان عليه غير راجع عنه فإنه يكون من أهل دعوة الحق و يحشر مع أهلها و إن لم يكن وصل إليها، و لذلك قيل: إن نية المؤمن أفضل من عمله، لأنه ينوى الخير فيحال بينه و بينه فلا يعمله فيكتب له، و يعمل العمل من الخير و لا ينوى به الخير فلا يكتب له.
و قوله أسبغ الطهر و قام بعد أن هدأت كل عين، يعنى بالطهر ما تقدم ذكره من التوبة و النزوع عما كان عليه من الباطل، و بهدوء العيون نوم الناس، و النوم كما ذكرنا مثله مثل الغافلة فكأنه انتبه لما غفل الناس عنه.
و يتلو ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: إسباغ الوضوء فى المكاره و نقل الأقدام إلى المساجد و انتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلا، ففعل هذا فى الظاهر من أفعال الخير و مما يؤمر به و يرغب فيه، تأويله فى الباطن أن إسباغ الوضوء مثله ما تقدم القول به مثل المبالغة فى التوبة من الذنوب و النزوع عن المعاصى و الطهارة من ذلك بالعلم الحقيقى و المكاره فى ذلك حمل النفس على ذلك و هى تكرهه و تستثقله لأن أفعال الخير كلها ثقيلة إلا على من خففها اللّه عليه، و نقل الأقدام إلى المساجد فهى فى الظاهر السعى إلى المسجد للصلاة فيها، و فى الباطن السعى إلى دعوة الحق و مجالس أهلها لسماع العلم و الحكمة فيها و انتظار الصلاة بعد الصلاة مثله مثل انتظار مجلس بعد مجلس و دعوة بعد دعوة منها و قد تقدم تأويل ذلك بتمامه.
و يتلو ذلك قوله صلى اللّه عليه و سلم: خير صفوف الصلاة المقدم، و خير صفوف
[١] سورة النساء: ١٠٠.