تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٦٢
اللّه عز و جل بهذا الخطاب المؤمنين جميعا و كذلك قال تعالى: «وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ» [١] و قد ذكرنا أن الولاية دعامة من دعائم الإسلام و أمر اللّه فى كتابه بطاعة أولى الأمر و قرن طاعتهم بطاعته و طاعة رسوله و قال: «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» [٢] و كذلك قرن ولايتهم بولاية رسوله بقوله: «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» [٣] و ذلك فرض فرضه اللّه عز و جل على المؤمنين، و الولاية أصلها السمع و الطاعة فلو كان القول فى ذلك ما قالته العامة من أن المراد بالولاية هاهنا و بالمؤمنين جميع من آمن باللّه و رسوله لم يدر من المأمور منهم بالسمع و الطاعة و من يجب ذلك له من جميعهم و لكانت طاعة جميعهم واجبة على جميعهم و أهواؤهم مختلفة و قلوبهم و آراؤهم شتى و منهم المطيع و العاصى و المؤالف و المخالف و قد علم اللّه ذلك منهم فلم يكن سبحانه ليوجب من ذلك ما لا يعرف حقيقته و لا يصح أمره و لا يثبت واجبه و لكن اسم الإيمان يقع على جميع من آمن باللّه و ملائكته و كتبه و رسله من أنبيائه و أئمة دينه و جميع أوليائه و جميع من صدق بذلك، و أصل الإيمان التصديق قال اللّه تعالى: «وَ مٰا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنٰا وَ لَوْ كُنّٰا صٰادِقِينَ» [٤] أى ما أنت بمصدق لنا و إن صدقنا، و معلوم فى لسان العرب الّذي نزل به القرآن و خوطبوا منه بما يعرفون فى لغاتهم و لسانهم أن الخطاب قد يكون عامّا عندهم و يراد به الخاص كما قال اللّه تعالى: «الَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ النّٰاسُ إِنَّ النّٰاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» [٥] فأراد أن بعض الناس قال ذلك و أنه إنما أراد أن بعض الناس هم الذين جمعوا لهم و ذلك ما لا يجوز غيره لأن القائلين ذلك و المخاطبين به هم من الناس فلا يجوز أن يراد بقوله قال لهم الناس جميع الناس و الذين قيل لهم ذلك هم بعض الناس و ليسوا بقائلين ذلك و لأن الذين جمعوا لهم هم جميع الناس و الذين جمعوا لهم من الناس فهذا مما ظاهره يقع على العموم و باطنه يراد به الخاص دون العام و هو كثير فى القرآن و فى كلام العرب و ما يجرى منه بين الناس و يتداولونه بينهم كما يقول القائل منهم لقيت العلماء و رأيت الملوك و سمعت كلام الناس و ركبت الخيل و شاهدت الأعمال و أشباه ذلك
[١] سورة التوبة: ٧١.
[٢] سورة النساء: ٥٩.
[٣] سورة المائدة: ٥٥.
[٤] سورة يوسف: ١٧.
[٥] سورة آل عمران: ١٧٣.