تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٠٢
و حمد اللّه و شكره عليه، و الوقوف على ذلك بالقدمين مثل الإعراض عنه و التهاون به و لذلك يقول القائل اجعل أمر كذا و كذا تحت قدميك إذا أمره بالإعراض عنه و رفضه و تركه كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لعلى صلى اللّه عليه و سلم و قد بعثه إلى ناحية من نواحى العرب ليصلح أمرهم: اجعل أمر الجاهلية من دم أو ثأر تحت قدميك و كما قال يوم فتح مكة و قد خطب الناس ألا إن كل شيء كان فى الجاهلية من دم أو ثأر فهو تحت قدمى هذه، و قد ذكرنا مثل ما يسجد عليه المصلى و يقف فى صلاته عليه و أن ذلك إنما يكون على الأرض التى مثلها مثل الحجة أو على ما جعل عليها من نباتها غير الطعام و أن ذلك مثل طاعة الإمام عن أمر من أقامه و نصبه للأمر بطاعته ممن جعل حجته سترا لذلك دونه. و يتلو ذلك:
ذكر صلاة الجمعة: قد تقدم البيان بجملة القول فى تأويل صلاة الجمعة، و أنها مثل دعوة محمد صلى اللّه عليه و سلم و أن دعوة كل إمام من بعده من أئمته مضافة إلى دعوته لأنهم إلى شريعته يدعون، و بأمره يقومون و إحياء شريعته و سنته و ما جاء به بذلك يطلبون فدعوته صلى اللّه عليه و سلم و دعوتهم كلهم صلى اللّه عليهم و سلم دعوة واحدة فهذه جملة من القول فى تأويل صلاة الجمعة.
و يتلو ذلك مما جاء فى هذا الباب من كتاب دعائم الإسلام قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أربعة يستأنفون العمل: المريض إذا برئ و المشرك إذا أسلم و المنصرف من الجمعة إيمانا و احتسابا و الحاج، تأويل ذلك أن قوله يستأنفون العمل يعنى أنه قد غفر لهم ما تقدم من ذنوبهم لأن ذلك محصنها، فأما ما عملوه قبل ذلك من خير فهو موفر لهم مع ما اكتسبوه فى ذلك الوقت و يكتسبونه فيما بعده، فإنما أراد بما يستأنفون ما يستأنفونه مما قد غفر لهم ما تقدم منه من الخطايا أن يستأنفوا ذلك لأن اللّه يقول: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ» [١] و قال: «وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ» [٢] و قال: «ثُمَّ تُوَفّٰى كُلُّ نَفْسٍ مٰا كَسَبَتْ» [٣] فى آي كثيرة من مثل ذلك و الّذي جاء فى هذا الخبر من ثواب المرض و شهود الجمعة و إسلام المشرك و الحج فذلك فى الظاهر واجب و فضله ثابت و هو من صالح الأعمال و كذلك باطنه، و تأويل الانصراف من الجمعة فى الباطن الانصراف من دعوة الحق بعد الدخول فيها و اعتقاد ذلك و العمل به إلى دعوة الحق المستورة و تأويل البرء من المرض التوبة من الشرك و المعاصى و اعتقاد كل منهى عن اعتقاده
[١] سورة الزلزلة: ٧.
[٢] سورة البقرة: ٢٠.
[٣] سورة آل عمران: ١٦١.