تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٧٥
و تأويل هذا الحكم فى الباطن أن يكون المستجيب من أهل دعوة الحق له مفيد من المؤمنين تغلب عليه أهل دعوة باطل أو قوم قد غيروا و بدلوا ما قد دعوا إليه و أخذ عليهم فيه فيطلعونه على ما هم عليه و يفاوضونه فيه و يسمعونه ما انتحلوه و صاروا من الباطل إليه ثم يصير بعد ذلك إلى مفيده فلا بد له من أن يستبرئه لئلا يكون قد علق شيء مما فاوضوه فيه بقلبه أو عمل فى خلده أو مال إليه وهمه أو إلى شيء منه و ليس على ذلك للمستجيب حرج فيما كان منهم إليه و لا فى سماعه ما سمعه منهم إذا لم يعتقده و لم يرضه و لم يرده و لا طلبه كما لا يكون على المرأة المستكرهة على نفسها حد إذا زنى بها و لا إثم. فهذا القول هو آخر الطهارة من كتاب الدعائم قد كرر عليكم ما قد سمعتموه من ظاهره و سمعتم حكم كل شيء منه فى الظاهر و ما يوافقه و يطابقه من مثله فى أحكام الدين من الباطن. و أنتم تسمعون إن شاء اللّه كذلك جميع ما تعبدكم اللّه بإقامته من أمر دينكم ظاهرا و باطنا و الباطن هو سر الدين و لبابه و زبدته و علم ذلك لا يؤخذ إلا من قبل أولياء اللّه الذين هم استودعهم إياه و جعلهم خزنته، و التأويل له هو البيان الّذي أخبر اللّه عز و جل عنه فى كتابه بقوله: «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنٰا بَيٰانَهُ» و قوله: «وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» [١] و الظاهر من ذلك أيضا قد تعبد اللّه العباد بإقامته بما أمر بالفعل به ظاهرا و باطنا كما قد سمعتم من ذلك ما قد سمعتموه، و أنتم تسمعون إن شاء اللّه تعالى ما يجب لكم سماعه من باقيه و كذلك كل ما أحله فى الظاهر فله حلال قد أحله مثله فى الباطن و ما حرمه فى الظاهر فله حرامه قد حرمه مثله فى الباطن، و قد افترقت الأمم فى ذلك ثلاث فرق فرقتان منهم على الضلالة و فرقة على الهدى فأما الفرقتان اللتان هما على الضلالة فإحداهما هم السواد الأعظم و العوام الأكثر و هم على ضربين ضرب غلب عليهم الجهل و أعرضوا عن العلم فهم كما قال تعالى: «كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» [٢] و ضرب انتسبوا إلى العلم و تحلوا به و ادعوه لأنفسهم و قد سلكوا غير سبيله و عدلوا عن أهله و راموا بلوغه من غيرهم و من ذات أنفسهم فضلوا و أضلوا كثيرا قال اللّه تعالى: «وَ ضَلُّوا عَنْ سَوٰاءِ السَّبِيلِ» و هذان الفريقان يجمعهم الجهل بالباطن و اعتقاد دفعه و اقتصارهم فى الظاهر على ما حملهم عليه كبراؤهم و ساداتهم الذين أضلوهم السبيل، و الفرقة الثانية
[١] سورة النحل: ٢٤.
[٢] سورة الفرقان: ٤٤.