تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٨٩
الأحوال و سجن اللسان فى الظاهر هو الصمت و باطن ذلك كتمان المؤمن سر ولى أمره الّذي أخذ عليه فى كتمانه و بذل المعروف فى الظاهر المواساة فى المال و المعونة فى جميع الأحوال و فى الباطن بذل ما عرف به و أمر ببذله و استغفار الرب و معنى المغفرة فى اللغة الستر و الرب فى لسان العرب هو المالك يقولون رب الدار و رب الثوب و رب المال و قد قال اللّه تعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة و السلام: «ارْجِعْ إِلىٰ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مٰا بٰالُ النِّسْوَةِ اللّٰاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ» [١] و قال: «مَعٰاذَ اللّٰهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوٰايَ إِنَّهُ لٰا يُفْلِحُ الظّٰالِمُونَ» يعنى الّذي كان عنده و أدى النصيحة لأهل النبي صلى اللّه عليه و سلم فأهل بيت النبي صلى اللّه عليه و سلم فى الظاهر قرابته و فى الباطن أهل دعوته و قد قال صلى اللّه عليه و سلم الدين النصيحة فقيل لمن يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال للّه و لرسوله و لأئمة المؤمنين و لجماعتهم و استكمال حقائق الإيمان استكمال المؤمن من القيام بكل ما أمر به و هذه الوجوه المذكورة جمل و كل وجه منها يقتضي وجوها كثيرة و جميع ذلك هو جميع ما أخذ فيه على المؤمن فى دعوة الحق و أمر به و نهى عنه فإذا قام بذلك فقد استكمل إيمانه و أبواب الجنة له إذا فعل ذلك مفتحة كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ظاهرا و باطنا لا تغلق عنه فى دار المعاد أبواب رحمة اللّه و لا يحجبه ولى أمره فى الدنيا عما يجب له من الرحمة أيضا إذا أخلص هذا الإخلاص.
و يتلو ذلك قول أبى جعفر محمد بن على صلى اللّه عليه و سلم يا مبتغى العلم صل قبل ألا تقدر على ليل و لا نهار تصلى فيهما، إنما مثل الصلاة لصاحبها مثل رجل دخل على سلطان فأنصت له حتى يفرغ من حاجته كذلك المسلم إذا دخل فى الصلاة تأويل ذلك أنه عنى بالصلاة هاهنا الظاهرة و الباطنة و عنى بمبتغى العلم الطالب الدخول فى دعوة الحق فأمره بالصلاة ظاهرا و باطنا و لو أراد الظاهر وحده لم يكن لقوله يا مبتغى العلم صل معنى لأن ظاهر الصلاة لا يفيد علما بل مصليها يحتاج إلى علم يقيم به فرضها و مسنونها و لكن العلم فى باطن الصلاة التى هى دعوة الحق و قوله قبل ألا تقدر على ليل و لا نهار تصلى فيهما ظاهره تخويف الموت فلا يقدر من غشيه على ليل فى الظاهر و لا نهار يصلى فيهما ظاهرا و باطنا قد حال الموت بينه و بين ذلك و حيل بينه و بين العمل و باطن ذلك تحذير ارتفاع دعوة الحق
[١] سورة يوسف: ٥٠.