تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٥٠
و من ذلك قول اللّه عز و جل: «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ». و أصل الملة فى اللغة المدة و الزمان اشتق اسمها من الملوين [١] و هما الليل و النهار و من ذلك قيل أملى لفلان أى أنه ترك زمانا و دهرا و قولهم ملاك اللّه أى أبقاك اللّه طويلا، و العرب تقول أقمنا بالمكان مليّا و ملاوة ملوة ثلاث لغات بمعنى واحد و من ذلك اشتق اسم الملل أى الأديان لأن أهل كل دين قد بقوا عليه مدة من الدهر فقيل ملة إبراهيم و ملة موسى صلى اللّه عليهما و سلم و ملة عيسى و ملة محمد صلى اللّه عليهما و سلم.
و أمّا ما جاء من أن إبراهيم لما قيل له تطهر أخذ من شاربه ثم قيل له تطهر فقلم أظفاره ثم قيل له تطهر فنتف إبطيه ثم قيل له تطهر فحلق عانته ثم قيل له تطهر فاختتن، ففعله صلى اللّه عليه و سلم ذلك كله فى الظاهر مثله مثل الكشف عن الباطن لمن يستحقه لأن شعر الشارب إذا خرج عن حده و ستر الشفة فمثله مثل غلبة الظاهر على الباطن فلذلك وجب أن يحفى الشارب.
و جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: احفوا الشوارب و اعفوا اللحى، أى دعوها يكثر شعرها لقول اللّه تعالى: «حَتّٰى عَفَوْا» أى كثروا، و تقليم الأظفار كذلك مثله هو قطع ما خرج منها عن حده و غطى على الباطن ظاهره و كذلك نتف الإبطين و حلق العانة هو إزالة الشعر و هو مثل الظاهر عما تحته من الباطن و الختان كذلك كما ذكرنا و إنما كرر ذلك على إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و فعله فيما فعله لتكثر الشواهد و الدلائل من الظاهر على الباطن منه.
و يتلو ذلك قول على صلى اللّه عليه و سلم يا معشر النساء إذا خفضتن بناتكن فأبقين من ذلك شيئا فإنه أبقى لألوانهن و أحظى لهن عند أزواجهن، تأويله أن المحرم لا ينبغى أن يقطع عن المفاتحة و القول بما سمعه كله فلا يلفظ بشيء منه و لكنه إنما يؤخذ عليه فى كتمانه ما سمعه من الباطن و ألا يفاتح به من لم يجمعه و إياه ما هو عليه و لا من جمعه و إياه ذلك على سبيل الإفادة و التعليم حتى يطلق له ذلك و يؤذن له فيه و أما ما سأله مفيده أو من هو فوق مفيده امتحانا له عما وصل إليه هل وعاه و حفظه فله أن يجيبه بما علمه من ذلك و حفظه فيكون ذلك أبقى لعلمه إذا هو سئل فأجاب فيحفظ ذلك و هو مثل قوله أبقى لألوانهن و يكون ذلك أحظى له عند
[١] الملوان (فى ح).