تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٧٧
مثل الدعوة و لذلك جاء فيما يؤثر من الدعاء عند سماع الأذان الّذي هو مثل الدعاء إليها أن يقول من سمع المؤذن: لبيك يا داعى اللّه و ليس كل مؤذن يؤذن للصلاة داعى اللّه و إنما الداعى إلى اللّه الرسول فى عصره و كل إمام من بعده فى زمنه و من أقامه الرسول و الإمام إلى الدعاء إلى ما أتى به عن اللّه و من ذلك قوله تعالى: «يٰا قَوْمَنٰا أَجِيبُوا دٰاعِيَ اللّٰهِ وَ آمِنُوا بِهِ» [١] حكاية عمن أمر قومه بأن يجيبوا دعوة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و قال: «و من لم يجب داعى اللّه فليس بمعجز فى الأرض» و قال: «و أنه لما قام عبد اللّه يدعوه» يعنى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأولياء اللّه هم الدعاة و الهداة و المنذرون و إلى صاحب الزمان منهم كانت الإشارة عند سماع الأذان يقول من سمع ذلك:
لبيك داعى اللّه لأن الصلاة التى دعا ذلك المؤذن إليها هى ظاهر باطن الدعوة إليه و هى واجبة كوجوب الصلاة على جميع أهل الشريعة و على كل من بلغته الدعوة ظاهرة و باطنة، و من ذلك أيضا ما يؤثر فى الدعاء عند سماع إقامة الصلاة و القيام بها إليها من قول الداعى فى ذلك الدعاء اللهم رب الدعوة التامة و الصلاة القائمة فجاء بذكر الدعوة مع الصلاة إذ كانت باطنها و من ذلك قول اللّه: «إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللّٰهِ أَكْبَرُ» [٢] فالنهى عن الفواحش إنما هو فى باطن الصلاة و هى الدعوة و فيها يكون الأمر و النهى و ظاهرها عمل موجوب و عبادة تعبد اللّه الخلق بها و تعبدهم كذلك بباطنها و سيأتى فى ذكر أبواب الصلاة و حدودها فيما تسمعون ما يشهد لذلك و يؤيده و يشده و يؤكده إن شاء اللّه، فأول ما جاء فى ذكر الصلاة من كتاب الدعائم قول اللّه: «إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً» [٣].
و قول الصادق صلى اللّه عليه و سلم فى قول اللّه عز و جل: «مَوْقُوتاً» مفروضا. فالصلاة فى الظاهر مما تعبد اللّه عباده المؤمنين به ليثيبهم عليه و ذلك مما أنعم اللّه عز و جل به عليهم و قد أخبر تعالى أنه: «أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً» [٤] فظاهر النعمة فى الصلاة إقامتها فى الظاهر بتمام ركوعها و سجودها و فروضها و مسنونها، و باطن النعمة كذلك فى إقامة دعوة الحق فى كل عصر كما فى ظاهر الصلاة كذلك فى كل يوم
[١] سورة الأحقاف: ٣١.
[٢] سورة العنكبوت: ٤٥.
[٣] سورة النساء: ١٠٣.
[٤] سورة لقمان: ٢٠.