تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٧٨
من عباده فيما أمر أن يطاع فيه هو سبحانه فهى طاعته لا شريك له، و من ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، و قوله ربى العظيم يعنى البارى لأنه كما ذكرنا يجوز على مجاز اللغة أن يقال لمالك الشيء و لمربيه و المنعم عليه ربه فبين أنه إنما أراد بالتنزيه و التعظيم هاهنا الرب العظيم و هو اللّه رب العالمين و قول ذلك ثلاث مرات يراد به تعظيمه و تنزيهه عن أن يكون له فى ذلك شريك من النطقاء و لا من الأئمة و لا من الحجج الذين هم أجل الخلق فضلا عمن دونهم و من أمثالهم من جميع الخلق.
و يتلو ذلك أنه جاء فى القول فى الركوع و فى السجود وجوه من القول مع ما تقدم يطول ذكرها، و إن من ذلك ما روى عن الصادق صلى اللّه عليه و سلم أنه قال بعد الثلاث التسبيحات المذكورات فى الركوع: اللهم لك ركعت و لك خشعت و بك آمنت و عليك توكلت و أنت ربى خشع لك سمعى و بصرى و شعرى و بشرى و لحمى و دمى و مخى و عصبى و عظامى و ما أقلت قدماى غير مستنكف و لا مستكبر و لا مستحسر عن عبادتك و الخضوع لك و التذلل لطاعتك، فهذا يثبت ما تقدم القول به من الإخلاص للّه بالخشوع و الخنوع و الخضوع و الطاعة و أن ما يكون من ذلك لمن أوجب طاعته و فضله و الخضوع له فإنما ذلك له سبحانه و كل من أوجب ذلك له من عباده فهم أشد الخلق خضوعا و خنوعا [١] و خشوعا و طاعة له لمعرفتهم به عز و جل و قد افترض عليهم من الفرائض و العبادات ما افترضه على سائر الخلق، فهم أقوم الخلق بذلك فلو كان شيء من ذلك يراد به أحد منهم كما زعم المحرفون للتأويل المفترون على اللّه و على أوليائه الكذب لسقط عنه فرضه بل تلك الفرائض عليهم آكد و هم بها أقوم و بما يجب للّه فيها أعلم. و تأويل قوله سجد لك سمعى و بصرى و غير ذلك مما ذكره إخبار و إقرار بأن جميع الحدود و الذين هم بين اللّه و بين عباده من ملائكته و رسله و أئمة دينه و حدودهم و غيرهم من سائر ما خلق ظاهرا و باطنا له خاضعون مذعنون بالعبادة و الطاعة، و من ذلك قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبٰالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النّٰاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذٰابُ» [٢]، و لهذه الأشياء أمثال فى التأويل قد تقدم ذكرها؛ فافهموا أيها المؤمنون وحدة اللّه بارئكم جل و عز و تنزيهه عن أن يقاس إلى شيء من مخلوقاته
[١] نجوعا (فى ح).
[٢] سورة الحج: ١٨.