تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٤٤
فى ذلك قبله و كذلك ذلك فى الباطن إن أوصى الداعى بذلك نفسه و أخذها به قبل أن يتقدم فى ذلك إلى من يقدم إليه فذلك حسن جميل و إن أوصاهم و أخذ فى ذلك عليهم و أخر نفسه فى ذلك فلا شيء عليه إذا حفظ ذلك فى نفسه و حافظ على ما عنده.
و يتلو ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حبذا المتخللون فقيل يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما هذا التخلل فقال التخلل فى الوضوء بين الأصابع و الأظافير و التخلل من الطعام فليس شيء أشد على ملكى المؤمن من أن يريا شيئا من الطعام فى فيه و هو قائم يصلى، تأويل ذلك ما قد تقدم القول به من أن أمثال الأصابع و الأسنان فى الباطن أنها حدود أولياء اللّه فتخليل الأصابع فى الوضوء مثله فى الباطن طهارة ما بين كل حدين منها بالعلم، و تخليل الأسنان من الطعام مثله فى الباطن ألا يترك العلم فيما بين كل حدين عطلا لا يستعمل فما كان منه قد علم و صح و أثبت استعمل و ذلك ما يبقى من الأسنان من الطعام إذا خرج بتحريك اللسان عليه و إجالته إياه ازدرد و إن لم يخرج بذلك و ابتكره بالخلال لفظ و مثل ذلك الّذي لا يخرج عن حركة اللسان و يستكره بالخلال مثل ما لم يثبت من العلم فإنه يلقى و لا ينبغى استعماله و كذلك جاءت السنة فيما كان بين الأسنان من الطعام فى الظاهر أنه يبتلع ما خرج منه بحركة اللسان عليه و ما استكره بالخلال لفظ و سنذكر ما جاء فى ذلك فى باب الأطعمة إن شاء اللّه تعالى.
و قوله، ليس شيء أشد على ملكى المؤمن من أن يريا شيئا من الطعام فى فيه و هو قائم يصلى فقد تقدم القول أن مثل الصلاة فى الباطن مثل الدعوة و تأويل الملكين هاهنا الحافظان له و هما الإمام و الحجة فمن دونهما من حدودهما المنصوبة لحفظ المؤمنين حتى ينتهى ذلك إلى الداعى و المأذون ممن أقيم لحفظ المؤمنين و أعمالهم يشتد عليهم أن يروا من كان من أهل دعوتهم مطرحا للعلم لا ينظر فى شيء منه.
و من ذلك قول اللّه عز و جل: «كَلّٰا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحٰافِظِينَ كِرٰاماً كٰاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مٰا تَفْعَلُونَ» يعنى علمهم بما فعلوه مما ظهر لهم منهم و اطلعوا عليه من أعمالهم و ما شاء اللّه أن يطلعهم مما أسروه و أحفظوه [١] عنهم يكشف ما شاء من سرائر لهم و استيثاره بعلم ما شاء من ذلك دونهم ليجزيهم
[١] و أخفوه فى (ح).