تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٧٣
و الثياب فى التأويل الظاهر لأن الثياب ظاهرة فأمره اللّه بإقامة ظاهر الشريعة و تطهيره من أنجاس الكفرة الجاهلية و ما كانت تعبده و تذهب إليه فى ظاهر ما تتدين به و كذلك يجب كما ذكرنا على المؤمنين أن يبدأ و يبتدئ به من يعلمه الإيمان بإقامة ظاهره و تطهيره مما كان يذهب إليه من ظاهر أهل الباطن، و قد فسر ذلك كثير من المفسرين من العامة على غير الطهر الظاهر المتعارف عندهم بالماء فقال بعضهم قوله:
«و ثيابك فطهر» أى طهر نفسك من الذنوب فكنى عنها بثيابه و قال آخرون أراد أن لا تلبس ثيابك على كذب و لا فجور و لا إثم البسها و أنت طاهر من ذلك و قال آخرون «و ثيابك فطهر» أى قصرها و قال آخرون العرب تقول ألبست فلانا ثوب خزية و عار، إذا ألبسته ذمّا و نقيصة فكلهم تأولوا ذلك على غير الطهارة الظاهرة عندهم و أتوا لها بباطن حاموا فيه حول المعنى و لم يصيبوه فأصل القول فى باطن الطهارة أنها الطهارة من أنجاس الأبدان فى الظاهر بالماء و من أنجاس الأرواح فى الباطن بالعلم، و من ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «نقلت من كرام الأصلاب إلى مطهرات الأرحام» يعنى أنها لم يصبها فجور و أن ولادته من آدم صلى اللّه عليه و سلم من جميع أمهاته كانت لنكاح و رشدة و لم يكن منها شيء سفاحا كما كان عليه أكثر الأمم فى القديم، و من ذلك قول اللّه فى الأئمة من ولده: إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [١] فكل هذا بيان و تأكيد لما قلناه من طهارة الأرواح فى الباطن بالعلم و الحكمة و مثل هذا كثير يطول به القول.
و قد جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من الرغائب فى الطهارة أيضا ما يطول ذكره و ذلك يقع على الباطن و الظاهر كما ذكرنا.
فمن ذلك ما جاء فى الدعائم من قوله صلى اللّه عليه و سلم: «يحشر اللّه أمتى يوم القيامة غرّا محجلين من آثار الوضوء». و الغرة بياض يكون فى وجوه الدواب و التحجيل بياض يكون فى قوائمها، فلو حمل هذا القول على ظاهره بأن يحشر اللّه أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم على هذه الصفة لكان ذلك من المثلة و ليس كذلك يحشرون، و قد جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فى كتاب الدعائم البيان على أن أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم فى الحقيقة الأئمة من ذريته صلى اللّه عليه و سلم، و العرب تقول
[١] سورة الأحزاب: ٣٣.