تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٦
السافلين التى هى سجين أجارنا اللّه من ذلك و جميع إخواننا بحق محمد و آله الطاهرين. و فى الأشخاص الحيوانية عبرة لمن اعتبر و بصيرة لمن تبصر و تدبر، و ذلك أن البهائم المحللة من البقر و الغنم و الإبل و غير ذلك متماثلة فى الخلق هى و السباع المحرمة لكونهم [١] جميعا من لحم و دم و عظام و عصب و عروق و بشر و جلد و وبر غير أن البهائم المحللة قد صارت غذاء للإنسان الّذي هو خليفة اللّه فى الأرض مستأنسة إليه سائرة إلى الصعود و الرقى فى الصراط السوى الّذي هو الشخص البشرى قريبة من المبدأ الأول، و السباع نافرة من الإنسان معادية سائرة إلى الانحدار صائرة إلى البعد الأبعد من المبدأ الأول فليسوا بسواء و إن كانوا جميعا من هذه الجواهر المذكورة بل بينهم بون بعيد فكذلك بين النفوس المطيعة و العاصية بون بعيد [٢]. و من الباب الأول و الفصل الخامس- ص ٦: و إذا كان ذلك كذلك فإن نفس الحدود الّذي هو «المكاسر» قد تلطفت و صفت و علت بصفاء موضوعها و علوه ثم اتصل بها من العلوم الإلهية و الأسرار الملكوتية ما أحكمها صفاء كليّا و لطفها تلطيفا ملكوتيّا و صبغها صبغة إلهية و أشرف جوهرها و أشفها، فإذا قابله المستفيد بصدق ولاء و صحة نيته و صفاء طويته و تكلم معه و أفاده من الكلام الملكوتى و العلم الإلهي الّذي لم يكن خطر قبل ذلك بباله و لا طن بمسامعه قط و مسامع أمثاله حار فيه لبه و وله فصار له إلها مالكا لرقه عارفا بجلاله و عظيم سبقه فإذا تحقق افتقاره إلى من فوقه من الحدود و حاجته إليه و فاقته و ولهه فيه و افتقاره الّذي هو فوقه إلى من فوقه متناهيا ذلك كذلك فى الحدود الجسمانية إلى المقام عليه السلام و منه إلى من فوقه من رتب العقول المجردة متناهيا ذلك كذلك إلى العقل الأول الّذي و لهت فيه جميع المبدعات و المخترعات ثم تحقق ولهه فى مبدعه و مبدع أبناء جنسه و حيرته فيه نفس عن حده الّذي هو فى أفقه هو المكاسر و عن سائر الحدود التى هى فوق حده من الجسمانية و الروحانية الإلهية مع معرفته بعظيم شأنها و جلالة قدرها و وله كل منها فيمن هو فوقه و افتقاره و فاقته إليهم و حاجته و أثبتها للّه تعالى و تكبر الّذي لا إله من هذه الآلهة المخلوقة و المخترعة المبتدعة الشامل لكل واحد منهم العجز عن مربيه الّذي فوقه و الحاجة الداعية إليه إلا من تساوت
[١] لكونهم فى (ل).
[٢] بعيد أبعد ذلك فى (ل).