تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٩٩
نساءك لا يصلين معطلات، فإن لم يجدن فليعقدن فى أعناقهن و لو اليسير و مرهن فليغيرن أكفهن بالحناء و لا يدعنها مثل أكف الرجال فهذا هو الّذي يؤمر به النساء لأنه زينتهن، و فرق بينهن و بين الرجال و قد لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المتشبهات بالرجال من النساء، و المتشبهين بالنساء من الرجال، و الحلى و الحناء للنساء زينة و للرجال شين و نقيصة، و تأويل ذلك ألا يتشبه أحد من المستفيدين بالمفيدين، و لا أحد من المفيدين بالمستفيدين، و أن يتحلى أهل كل طبقة بحليتهم و يتزينوا بما يزينهم و يليق بهم دون ما يشين و لا يليق، و تأويل الحلى و الخضاب و ما يتزين به النساء فى الظاهر لأزواجهن هو تحلى المستفيدين بصالح الأعمال و تزينهم بها للمفيدين ليعلموا ما هم عليه من امتثال ما أمروهم به فيزيدوهم من المفاتحة بالعلم كما تريد المرأة بالزينة لزوجها أن يستحسن ذلك منها فيجامعها و قال اللّه تعالى: «وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ» [١].
و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من قوله: إن الأرض بكم برة تتيممون منها و تصلون عليها فى الحياة و هى لكم كفات فى الممات و ذلك من نعمة اللّه له الحمد، و كذلك الأرض فى الظاهر يتيمم منها و يصلى عليها، و هى كفات للأحياء و الأموات كما قال اللّه تعالى: «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفٰاتاً أَحْيٰاءً وَ أَمْوٰاتاً» [٢] و الكف فى اللغة الضم أى تضم حماء على ظهرها بما يأوون إليه منها و ما يتعيشون به من نباتها و منافعها و تضم الأموات إذا دفنوا فيها فتواريهم و تسترهم و يقال للمقابر كفات الأموات و للمنازل كفات الأحياء، فى لغة العرب كفت فلان فلانا إذا ضمه إليه كذلك و تأويل ذلك أن الأرض كما تقدم القول مثلها مثل حجة الإمام، و هو الّذي ينصبه فى حياته لإقامة الدعوة المستورة، و يكون إماما من بعده فهو يضم المؤمنين إليه فى حياتهم و مماتهم و هو يربيهم و عنه يصير إليهم طهارتهم فى دينهم و هو يقيم لهم صلاتهم التى هى دعوة الحق لأن أمر دعوة الحق المستورة إليه كما ذكرناه.
و يتلو ذلك قول الصادق صلى اللّه عليه و سلم و ينبغى للمصلى أن يباشر بجبهته الأرض و يعفر وجهه فى التراب لأنه من التذلل للّه تعالى و الإكبار له و تأويل ذلك أن السجود كما ذكرنا مثله مثل طاعة الإمام و سجود المصلى على الأرض مثله مثل إقباله على طاعة إمامه من قبل الحجة الّذي هو ولى أمر دعوته المستورة التى ذكرنا
[١] سورة التوبة: ١٠٥.
[٢] سورة المرسلات: ٢٥- ٢٦.