تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٥٦
و التأويل فى ذلك أن ظاهره ما جاء فى كتاب الدعائم فإن ذلك هو فرض ما يلزم قلب الإنسان فى الظاهر و يلزمه اعتقاده فيه، و باطنه أن القلب مثله مثل الإمام و أن ذلك يلزم الإمام فى خاصة نفسه الإقرار به و بمعرفته، و السمع و البصر و اللسان و اليدان و الرجلان هى رؤساء الجوارح و القلب رئيسها و أميرها، كذلك أمثالها أمثال حدود الإمام الذين هم رؤساء الناس و الإمام فوقهم و رئيسهم ففرض تعالى على كل جارحة من الإيمان بحسب ما جعل فيها من القوة و القبول و الاستطاعة، ففرض على البصر النظر فيما أمر بالنظر فيه و الغض عما نهى عن النظر إليه و كذلك فرض على السمع استماع ما فرض عليه استماعه و الإعراض عما نهاهم نهيا [١] عن الإصغاء إليه و كذلك فرض على اللسان القول بما افترض اللّه عليه القول به و السكوت عما نهى عن أن يقوله و كذلك فرض على اليدين تناول الواجب و العمل به و الكف عما نهى عنه و على الرجلين السعى فى الواجب و الوقوف عما لا يجب، و كذلك فرض على أمثالهم من حدود أولياء اللّه لكل ذى حد منهم حده الّذي نصب له عليه أن يعمل بما أمر أن يعمله و يمسك عما نهى عنه و عما لم يؤذن له فيه و لكل واحد منهم عمل كما تقدم و كل به لا يشركه فيه غيره و لا يشرك هو غيره فيما ليس من عمله كما لكل جارحة من هذه الجوارح عمل لا يشركها غيرها فيه فالقول للسان و النظر للبصر و السمع للأذن و التناول و البطش لليدين و السعى و الوقوف للرجلين، و ليس ينظر المرء بلسانه و لا يسمع بعينه و لا ينطق بأذنيه، و لا تعدو جارحة من الجوارح ما جعل لها كذلك أمثالها من أسباب أولياء اللّه لكل واحد منهم حد لا يعدوه إلى غيره و سائر الجوارح التى هى دون ذلك هى اتباع لهذه الجوارح و مستعملة باتباعها فيما تعمله و كذلك سائر الخلق مأمورون باتباع من نصبه لهم أولياء اللّه.
و أما ما جاء فى كتاب الدعائم من أن الإيمان يزيد و ينقص بقدر ما يعمله العبد و يعتقده فكذلك مثله الّذي هو باطن يزيد و ينقص بقدر عمل من يعمله و يعتقده فإن هو حافظ عليه و قام بحدوده و فى الباطن بشرائطه و ما أخذ عليه فيه فتح اللّه له فى الزيادة منه و إن هو قصر فى ذلك نقص من المادة و التأييد فيه بقدر ما قصر و لذلك تفاضل المؤمنون فى درجات علمه و إن استووا فى سماعه بقدر حفظهم إياه و تقصيرهم فيه و لذلك قد لا يعى شيئا منه من ضيع حدوده و رفض واجبه و إن سمعه
[١] نهى (فى ع).