تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٥٨
كان ذلك إيمانا حقيقيّا خالصا كما كان فى الظاهر الإقرار، و المعرفة هى الإيمان الكامل إذا أكملته الأعمال المفروضة.
و قد جاء فى كتاب الدعائم عن على صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: المعرفة من اللّه حجة و منة و نعمة و الإقرار من يمن اللّه به على من يشاء من عباده و المعرفة صنع اللّه فى القلب و الإقرار فعال القلب بمن منّ اللّه و عصمه و رحمه فمن لم يجعله اللّه عارفا فلا حجة عليه و عليه أن يقف و يكف عما لا يعلم و لا يعذبه اللّه على جهله و يثيبه على عمله بالطاعة و يعذبه على عمله بالمعصية و لا يكون شيء من ذلك إلا بقضاء اللّه و قدره و بعلمه و بكتابه و بغير جبر لأنهم لو كانوا مجبورين لكانوا معذورين و غير محمودين و من جهل فعليه أن يرد إلينا ما أشكل عليه قال تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ» [١] فتأويل المعرفة من اللّه حجة و منة و نعمة و إن العلم الحقيقى الّذي هو علم التأويل كذلك هو حجة على العباد و منة من اللّه و نعمة عليهم.
و قوله الإقرار من يمنّ اللّه به على من يشاء فتأويل ذلك أيضا أن علم الظاهر الّذي هو عن علم الأئمة صلى اللّه عليهم كذلك هو من يمن اللّه به من يهديه إلى علمه.
و قوله فمن لم يجعله اللّه عارفا فلا حجة عليه يعنى فى تأويل ذلك أن من استجاب لدعوة أولياء اللّه و صدق بهم و أخذ عليه عهدهم الّذي قدمنا القول بأن من عمل بما أمر به فيه و انتهى عما نهى عنه به فقد أقام ظاهر دينه و باطنه و إن لم يعلم شيئا من العلم غيره إذا لم يجد السبيل إلى التعليم أو قصر به الأجل عنه فهذا تأويل قوله و من لم يجعله اللّه عارفا فلا حجة عليه يعنى بذلك من لم يصل إلى علم التأويل و لا علم ظاهر دينه من قبل إمام زمانه لأن ذلك لا ينال دفعة و إنما يدرك بالطلب و الوجود و من استجاب لدعوة إمام زمانه و أخذ عليه عهده فقد صار بذلك مؤمنا و عليه أن يعمل بما فى العهد و ما أشكل عليه توقف فيه و سأل عنه كما قال على صلى اللّه عليه و سلم، و عليه بعد ذلك أن يطلب العلم ظاهرا و باطنا بقدر استطاعته فما علم منه كان بالغا فى الفضل بقدره و ما قصر عنه بعد اجتهاده فهو معذور فيه قال تعالى: «يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ» [٢] و قال: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ» [٣] و قال على صلى اللّه عليه و سلم قيمة كل امرئ ما كان يحسنه.
[١] سورة الأنبياء: ٦.
[٢] سورة المجادلة: ١١.
[٣] سورة الزمر: ٩.