تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٣٤
و من ذلك حكى اللّه تعالى فى كتابه قول المؤمنين الذين أثنى عليهم من عباده:
«رَبَّنٰا وَ لٰا تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا رَبَّنٰا وَ لٰا تُحَمِّلْنٰا مٰا لٰا طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ» و الإصر فى اللغة الثقل و يقال للعهد أيضا فى اللغة إصر لأن ما فيه ثقيل على من يؤخذ عليه لا يحتمل إلا بالمشقة فانفرد اللّه بوحدته و إبانته من جميع خلقه من العلم بما لا يحتمله و لا يقوم به أحد من خلقه فلا يعلم ذلك العلم إلا هو وحده جل و عز و خلق الملائكة فرفع بعضهم فوق بعض و فضلهم فى القوى و الاحتمال كما وصف بعضهم بقوله: «عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوىٰ ذُو مِرَّةٍ» فالمرة فى اللغة القوة.
و من ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لا تحل الصدقة لغنى و لا لذى مرة سوى يعنى لذى قوة يستطيع العمل و الكسب بها فعلم اللّه تعالى كل ملك منهم و أعطاه من العلم بقدر ما أعطاه من القوة على احتماله و كذلك خلق أنبياءه و أولياءه ضروبا و حمل كل امرئ منهم من العلم قدر احتماله، و قوته التى أعطاه إياها و أمرهم بذلك فيمن فرض إليهم أمرهم من العباد بأن يحملوا أهل كل طبقة منهم مما آتاهم من العلم قدر احتمالهم و على قدر مراتبهم و قواهم فلذلك ما نص رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على وصيه الّذي أقامه للأمة من بعده لأنه أقواها و أنه أفضلها و أنه أقضاها و ذكر ما عليه من العلم و ما أودعه من الحكمة و ذلك بقدر حده و احتماله و قوته فمن أورد من العلم على امرئ ما لا يحتمله و لا تحمله قواه حيره و أسكره فكان ذلك العلم فى الباطن مثله لمن لا يحتمله مثل الشراب المسكر لا يحل له سماعه و لا يحل لمن أسمع ذلك إسماعه إياه.
و من ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من سقى خمرا بهيمة أو طفلا باء بإثم ذلك، فالبهيمة فى الباطن من لم يستجب لدعوة الحق كما وصفهم اللّه تعالى بذلك فقال: «إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» [١] و مثل الطفل فى الباطن مثل المستجيب الّذي لم يبلغ حد الإطلاق فمن فاتح غير مستجيب أو من استجاب و لم يبلغ حد ما فاتحه به من البيان فقد باء بإثم ذلك و يكون ذلك العلم عند أهله و محتمله مثله مثل الماء و الحلال من الأشربة إذا كانوا يحتملونه و لا يغير شيئا من أمورهم و من ذلك قوله تعالى: «يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوٰابٍ وَ أَبٰارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ
[١] سورة الفرقان: ٤٤.