تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٤٦
و كان منهم من يعرف ذلك و يقف على حدوده فإن هو خرج فى مفاتحته إياهم من حد إلى حد من قبل أن يتم بيان الحد الّذي خرج منه فليس لأحد منهم أن يعارضه فى ذلك و لا ينبهه عليه كما لا يجوز ذلك فى ظاهر الصلاة للمأمومين إذا خطرف إمامهم شيئا من القرآن و خرج من سورة إلى سورة فإن انحصر الداعى فى الّذي أخذ فيه من البيان أو فى أخذ العهد على المستجيبين و ارتج عليه فيه فسكت و لم يدر ما يقوله و كان بحضرته من يعرف ما يتلوها ما وقف عليه من البيان فلا بأس أن يذكره من ذلك ما نسيه و ارتج فيه عليه ليستمر فيه و لا يبقى مخصرا متوقفا منقطعا فى البيان.
و يتلو ذلك ذكر الجماعة و الصفوف: أعنى جماعة المجتمعين إلى الصلاة فى جماعة مع إمام يؤمهم فيها و اصطفافهم خلفه إذا أم بهم، و مثل ذلك فى الباطن مثل اجتماع المستجيبين إلى دعوة الحق عند داعيهم أو من أقيم لتربيتهم و تأدية البيان إليهم و معنى اصطفافهم صفا خلف صف فى ظاهر الصلاة هو مثل درجات المستجيبين فى السبق إلى دعوة الحق و سيأتى بيان ذلك و شرحه و تمام القول فيه فى هذا الباب إن شاء اللّه، فهذه جملة القول فى تأويل الجماعة و الصفوف و باطن ذلك.
و يتلو ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: من صلى الصلاة فى جماعة فظنوا به كل خير و أجيزوا شهادته، تأويل ذلك كما تقدم القول به اجتماع المؤمنين إلى مجالس الذكر و الحكمة لسماع ذلك و أخذه عن أولياء اللّه و المؤدين ذلك عنهم، فمن شهد هذه المجالس و واظب عليها و لم يتخلف عنها إلا لعذر يحول بينه و بينها يعذر به فهو ممن يظن به الخير و تقبل شهادته إذا فعل ذلك فى الظاهر و الباطن، فصلى فى الظاهر فى جماعة أهل محلته و لزم فى الباطن مجلس دعوته و لم تظهر منه جرحة تسقط شهادته.
و يتلو ذلك ما جاء عن الصادق صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: الصلاة فى جماعة أفضل من صلاة الفذ بأربع و عشرين صلاة، و الفذ فى اللغة الفرد و العرب تسمى أول أسهم القداح التى يضربون بها الفذ، و يقولون كلمة فذة و فاذة إذا كانت شاذة بمعنى أنها واحدة لا نظير لها من الكلام، فصلاة الفذ فى الظاهر هى الصلاة التى يصليها الواحد لنفسه وحده بغير إمام يأتم به و مثل ذلك فى الباطن أن يكون المؤمن يتلو ما سمعه من الحكمة [١] و يتذكره فيما بينه و بين نفسه وحده، و مثل صلاة الجماعة
[١] البيان (فى ح).