تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٤
و عصب و عروق و غير ذلك فليسا بسواء إذ هذا الحد الّذي هو المكاسر قد تلطف
- باعتبارهم أئمة و أوصياء، و أتباع الفاطميين (البوهرة) يعتقدون منذ كانوا إلى الآن، أن الإمامة ميراث يتعاقبه المنصوص عليهم من ذرية فاطمة الزهراء و هذه الإمامة تظهر أحيانا و تستتر أحيانا وفقا لما تسمح به مقتضيات الأحوال، و أن الإمامة باقية فيهم.
و قد بقيت الإمامة مؤيدة للملك مرشدة له منذ عهد المهدى باللّه بالمغرب إلى عصر الآمر بمصر.
و حدث فى خلافة المستعلي أن قام نزاع بينه و بين أخيه نزار، انتهى بقتل الأخير إلا أن البقية من شيعته و أنصاره و على رأسهم حسن بن صباح لم تنطفئ جذوة حقدهم حتى عصر الآمر، و قد صنف الآمر كتابا يدافع فيه عن وجهة نظره فى الخلافة يقيم الدلائل على إمامة أبيه المستعلي مما يحقق لنا أن الخصومة كانت فى ذلك العهد على أشد ثورتها، حتى إن الخليفة لم يكتف بما يصنفه دعاته فتصدر بنفسه للدفاع و حمل لواء القلم ضد النزاريين، فما لبثوا أن دبروا كمينا لاغتيال الآمر فطعنوه بسكين، و قبل أن تدركه الوفاة أدرك بثاقب نظره وسعة حيلته أن الأمر يؤول إلى شر و أن الخصومة قد لا تنتهى عند هذا الحد فأرسل ولده الطيب بطريقة سرية و هو صغير لم يتجاوز الخامسة مع ابن مدين داعى دعاته و الدعاة الآخرين و استوصى به الملكة الحرة أروى بنت أحمد آخرة الملوك الصليحيين الذين قاموا فى خلافة المستنصر دعاة ينشرون المذهب الفاطمى فى كل بلاد اليمن (راجع نشرات جمعية الأبحاث الإسلامية فى بومباى و عبقرية الفاطميين)، و كان الملك الصليحي قد كتب إلى المستنصر الفاطمى يستأذنه فى إظهار الدعوة و وجه إليه هدية جليلة منها سبعون سيفا قوامها من عقيق. و بعث مع الهدية رجلين من قومه أحمد بن محمد والد السيدة و أحمد بن المظفر والد السلطان سبأ بن أحمد، فقبل المستنصر هديته و أمر له برايات و كتب عليها الألقاب، و عقد له الألوية و أذن له فى نشر الدعوة و لم تمض سنة ٤٥٥ ه إلا و قد ملك من مكة إلى حضرموت سهلا و جبلا. (راجع قرة العين لأخبار اليمن لابن الديبع بدار الكتب المصرية تاريخ ٢٢٤) و فى نفس تلك السنة توفيت الملكة الحرة السيدة أروى بنت أحمد الصليحي و قام ذؤيب بن موسى الداعى المطلق بعد الحرة الملكة أروى بنت أحمد فى يوم ٢٢ من شعبان سنة ٥٣٢ ه (راجع ابن خلكان ج ٢ ص ٧٤). و تقرر عقيدة الفاطميين أن الأئمة تسعة و تسعون من ذرية السيدة فاطمة الزهراء و الإمام المائة هو القائم بأمر اللّه الّذي هو مبدأ القيامة. و يروون فى ذلك الحديث «كل حسب و نسب منقطع إلا حسبى و نسبى».
و لقد ستر الإمام جعفر الصادق بثاقب سياسته أمر الخلافة أو الإمامة فولى ولده الأكبر إسماعيل و إليه تنسب الفرقة الإسماعيلية، و أمر أن تبقى الإمامة مستترة حتى لا يستطيع الأعداء الوصول إلى الإمام فيقتلوه، فاستتر ثلاثة أئمة بعد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، و كان لهم دعاة ينشرون دعوتهم و مبادئهم و يجمعون لهم الزكاة و الهدايا حتى انتقلت الإمامة إلى بلاد المغرب و بدأ ظهورها من «المهدى» و أخذ الأئمة بعد ذلك يبسطون سلطانهم و يوسعون نفوذ ملكهم حتى اتخذوا مصر مقرهم الأخير فى خلافة المعز لدين اللّه بن المنصور بن القائم بن المهدى الفاطمى و ما زالت فى هذا البيت حتى قام المستعلي باللّه بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز لدين اللّه الفاطمى، فوقعت بينه و بين شقيقه الكبير «نزار» حرب فى أسر الخلافة و قتل الأخير، و انقسم بعد ذلك أتباع الفاطميين إلى فريقين المستعليين (يسمون الآن البواهر بمعنى التجار) و هم الذين بقى لهم الأمر فى مصر؛ و الفرقة الثانية فرقة النزاريين (يسمون الآن خوجه و رئيسهم الدينى الآن الأمير عبد الكريم آغا خان الإمام التاسع و الأربعون، و قد دفن جده الثامن-