تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٢٦
رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ إِقٰامِ الصَّلٰاةِ وَ إِيتٰاءِ الزَّكٰاةِ يَخٰافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصٰارُ» [١] و قوله: «إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» [٢] و ما جاء فى القرآن من ذكر المساجد و عمارها و الذاكرين اسم اللّه فيها فى الظاهر هم المجتمعون إلى المساجد الظاهرة للصلاة و ذكر اللّه تعالى فيها و عمارها فى الباطن هم المجتمعون إلى دعوة الحق و مجالس أهلها أهل الذكر الذاكرون فيها ولاة الأمر بما ذكرهم اللّه به الذين هم أسماؤه الحسنى الذين عرفهم المستجيبون لدعوتهم من عباده و قد يقع أيضا اسم المساجد على مجالس الحكمة التى يذكر فيها اسمه ظاهرا و باطنا فى ظاهرها و باطنها.
و يتلو ذكر المساجد من كتاب الدعائم قول على صلى اللّه عليه و سلم: لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد إلا أن يكون له عذر و به علة، فقيل و من جار المسجد يا أمير المؤمنين قال من سمع النداء. تأويله أن دعوة الحق لا تجزى من سمعها إلا من قبل الداعى إليها إلا أن تمنع من ذلك علة يعذر بها من سمع داعيها فيصلى لنفسه كما يصلى المصلى وحده فى منزله و ذلك مثله مثل الوقوف على حدود ما فى الدعوة من الولاية و إقامة ما افترضه اللّه عز و جل على عباده و الانتهاء عما نهى عنه إلى أن تزول العلة المانعة من حضور دعوة الحق فيأتيها من سمع داعيها.
و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: الصلاة فى المسجد الحرام مائة ألف صلاة، و الصلاة فى مسجد المدينة عشرة آلاف صلاة، و الصلاة فى مسجد بيت المقدس ألف صلاة، و الصلاة فى المسجد الأعظم مائة صلاة، و الصلاة فى مسجد القبيلة خمس و عشرون صلاة، و الصلاة فى مسجد السوق اثنتا عشرة صلاة، و صلاة الرجل وحده فى بيته صلاة واحدة. ففضل الصلاة الظاهرة تضعيفها فى هذه المساجد الظاهرة بحسب ما جاء فى ظاهر هذا الحديث و قد ذكرنا مثل المسجد الحرام و أمثال الجوامع بالأمصار و أمثال مساجد القبائل و صلاة الواحد فى غير المسجد و مثل مسجد بيت المقدس و أنه مثل باب الحجة و هو أكبر النقباء و يسمى باب الأبواب و مثل الصلاة فى السوق فى غير مسجد مثل التذكرة و الموعظة فى مجالس المؤمنين و مواضع اجتماعهم لمن أذن له فى ذلك فمن دعاه و أخذ عهد دعوة الحق عليه أحد من أمثال هذه المساجد فى الباطن ففضل تلك الدعوة على غيرها و ثوابها مضاعف
[١] سورة النور: ٣٦، ٣٧.
[٢] سورة التوبة: ١٨.