تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٦١
إلا من قبل اللّه و ذلك قوله: «إِنِّي أَرىٰ فِي الْمَنٰامِ» و النوم مثله مثل الغافلة كما تقدم القول بذلك فيما بيناه و ذلك قوله: «وَ نٰادَيْنٰاهُ أَنْ يٰا إِبْرٰاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيٰا إِنّٰا كَذٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» فنبهه من غفلته إنعاما عليه إذ كان من المحسنين و لم يدعه لرأيه الّذي رآه و أخذه عليه بقوله: «أَنْ يٰا إِبْرٰاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيٰا» أى صدقت ما رأيته برأيك و ظننت أنه الصواب ثم قال: «وَ فَدَيْنٰاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» يعنى أنه فدى إسحاق مما كان أراد أن يورد له فيه بأن أمر إبراهيم أن يسند أمر الوصية إلى إسماعيل فعظمه و قال: «وَ بٰارَكْنٰا عَلَيْهِ وَ عَلىٰ إِسْحٰاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمٰا مُحْسِنٌ وَ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ» فلم يؤاخذ إبراهيم و لا إسحاق بما قد تفاوضا فيه و همّا به من ذلك و بارك عليهما و البركة التكثير أى كثر نسلهما و أخبر أن من ذريتهما محسن و ظالم لنفسه مبين فالمحسنون منهم الأئمة و من اتبعهم و دان بإمامتهم من جماعتهم و الظالمون هم الذين عندوا عن الأئمة و بانوا من جملة أتباعهم.
و يتلو ذلك ذكر الحيض: و الحيض علة تصيب النساء فى الظاهر و كذلك يسمونه علة، و أمثال النساء كما ذكرنا فى الباطن أمثال المستجيبين فتأويل جملة القول فى الحيض فى الباطن أنه علة و فساد يدخل على المستجيب فى دينه يحرم عليه من أجلها سماع الحكمة و الكون فى جماعة أهل الدعوة كما لا يحل فى الظاهر للمرأة إذا حاضت أن تصلى و لا تدخل المسجد و كذلك لا يحل لمفيد ذلك المستجيب أن يفيده شيئا من العلم إذا أحدث ذلك الحدث حتى يتطهر منه بالتوبة و النزوع عنه و الإقلاع و ينقطع عنه ما عرض من ذلك الفساد فى دينه كما يكون كذلك و يحرم على الرجل وطء زوجته إذا حاضت حتى تطهر من حيضتها و تنقطع عنها و قد قال قوم إنه إذا زال عنها دم الحيض حل وطؤها و إن لم تغتسل بالماء و قال آخرون لا يحل وطؤها حتى تغسل بالماء و هذا هو الثابت عن الأئمة فى الظاهر، و قد جاء عنهم صلى اللّه عليهم و سلم القول الأول و لكل وجه فمثل زوال الحيض و انقطاعه فى التأويل كما ذكرنا مثل زوال ما كان عرض لذلك المستفيد من الفساد الّذي دخل عليه فى دينه و إقلاعه عنه بالقول و الفعل و النية فإذا علم ذلك منه مفيده و تاب إليه منه فله أن يفاتحه بما يؤكد عنده فساد ما كان عليه و صواب ما صار من الرجوع عنه إليه و ذلك مثل الغسل بالماء فإذا علم أنه قد تقرر ذلك عنده فاتحه بما كان يفاتحه به من الحكمة و ذلك كما ذكرنا مثل المجامعة و أنها مباحة حينئذ لهما معا فى الظاهر