تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٧٢
قرأ فى الصلاة هل يسمع من خلفه و إن كثروا فقال يقرأ قراءة متوسطة لقد بين اللّه ذلك فى كتابه، فقال: «وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا» [١] فهذه هى السنة فى القراءة فى ظاهر الصلاة و تأويل ذلك أن يكون أيضا كذلك المفاتح فى دعوة الحق لا يجهر بالمفاتحة و لا يخافت بها و يكون لفظه بذلك متوسطا بين اللفظين و كذلك لا يظهر الدعوة صاحبها كل الإشهار و لا يخفيها كل الإخفاء و لا يبذلها كل البذل للمستحق و غير المستحق و لا يمنعها كل المنع و لا ينيلها كل الإنالة و لا يبسط فيها كل البسط و لا يقبض كل القبض بل يتوسط فى ذلك أمرا بين الأمرين و حالا بين الحالين و يتوخى لكل زمان ما يحسن فيه من ذلك و غيره و فى طبقات الناس ما يجب لكل طبقة منهم و أن الدعاة إلى دعوة الحق على تفاوت درجاتهم و حدودهم لهم أمثال كثيرة فمنهم المؤذنون كما ذكرناه و المؤذن لا يؤذن إلا فى وقت الصلاة و لو أذن فى غير الوقت لكان ذلك مما ينكر من فعله، و كذلك لا يؤذن إلا فى مسجد و فيما قرب منه إذا أذن للصلاة فيه، و الديك أيضا يضرب مثلا لبعض الدعاة و الديك يؤذن فى كل وقت و حيثما مشى و على كل مزبلة و فوق كل جدار و فى سائر الليل و النهار و مثله مثل الداعى الّذي يفعل مثل ذلك فى دعوة الحق فيخرج عن حدود الواجب فيها إلى التجاوز فى بذلها بخلاف ما جرت السنة فيها، و منهم من مثله مثل الحمار كما قال تعالى:
«وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغٰالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهٰا وَ زِينَةً» [٢] و الحمير مختلفة الأحوال فمنها الحسن الجيد النشيط السريع و هو الممدوح منها، و مثله مثل الداعى العالم العارف البليغ المقتصد فى دعوته، و منها القبيح البليد و مثله من الدعاة المتخلف فى البيان القليل الفوائد، و من ذلك قوله تعالى «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرٰاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهٰا كَمَثَلِ الْحِمٰارِ يَحْمِلُ أَسْفٰاراً» [٣] و التوراة كما ذكرنا مثلها مثل الظاهر، فأخبر اللّه أن مثل من لم يقم بالظاهر ممن حمله كمثل من لم يقم بالباطن، كذلك ممن حمله و ضرب الحمار مثلا لذلك، و مثله كما ذكرنا مثل الداعى الّذي حمل من العلم ما لم يقم به و لم يؤده إلى من حمله إليه حسب الواجب فى الأداء و البيان، و الأسفار الكتب و عنى بها حملة أهل دعوة الحق كما قال تعالى «إِنَّهٰا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شٰاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرٰامٍ بَرَرَةٍ» [٤] يعنى أولياء اللّه الذين جعل بأيديهم فضله
[١] سورة الإسراء: ١١٠.
[٢] سورة النحل: ٨.
[٣] سورة الجمعة: ٥.
[٤] سورة عبس: ١١- ١٦.