تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٨
فوجود موجوداتها بزمان بل دفعة واحدة مثل وجود إشراق بسيط الهواء عن ضوء الشمس لا بزمان و إضاءة النار البيت المظلم دفعة واحدة لا بزمان إلى قوله على أن شيئا فى تلك الدار لم يتقدم وجوده على شيء من العقول القائمة بالقوة بل وجود الكل معا يريد بذلك أعلى اللّه قدسه فى حال وجودهم الأول و كمالهم الأول الّذي هم فيه متساوون كما سبق به القول، و هم مع ذلك فى بدء وجودهم جميعا فى الفعل و العمل غير معصومين من الخطأ و الزلل عصمنا اللّه من أن نزل أو نزل أن نضل أو أن نضل بحق محمد و آله الطاهرين.
٤- من الباب الثانى و الفصل الثانى، ص ٧- ل: ثم إن واحدا من تلك الأشباح الصورية نظر بذاته إلى ذاته و إلى أبناء جنسه فعلم أن له و لهم مبدعا بخلافهم فنفى عنه و عن أبناء جنسه الإلهية و أثبتها لمبدعهم تعالى و شهد له بالوحدانية و اعترف و أقر بالعبودية و سبح له و خشع و تذلل و خضع و توسل بعظمته إليه و ضرع فطرقه من مبدعه المواد الإلهية و التأييدات الوحدانية و اتصل به العلم الجارى و النور السارى الّذي هو كلمة اللّه تعالى و لذلك قيل إن الكلمة فوق العقل و دون المبدع تعالى إشارة إلى هذا العلم الجارى و النور السارى يسمى أيضا بالأمر و به نص الكتاب الكريم بقوله تعالى:
«يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ» و هو المسمى بروح القدس إذ القدس هو العقل الأول، و هذا العلم الجارى هو روح له متصل به من اللّه عز و جل و هو علمه و قام به فاعلا و هو ذاته و صورته و كماله الثانى الّذي صار عقلا تامّا كاملا أزليّا كليّا إذ به التأزل الأبدى و البقاء الكلى السرمدى، و العلاء و العظمة و السناء و النعمة و الجلال و العصمة و به أحاط بكل شيء علما و علم ما كان و ما سيكون و وجد فى ذاته من السرور و الجذل، و الحبور و العصمة و السناء و العظمة و الكبرياء و النور و الضياء ما لا يقدر أن يسطر صفته بنان، و لا يترجم عنه لسان، ثم ازداد بذلك المبدع تعالى تذللا و خضوعا و حيرة فى عظمته و خشوعا و لذلك نطق الكتاب الكريم بقوله تعالى:
«إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ» و كذلك كل عالم بسر الخلقة و أسباب الطبيعة يكون أكثر الناس خوفا للّه تعالى و لأوليائه، ثم إن اللّه تعالى اتخذه له حجابا و جعله بابا لا يتوسل إليه إلا به و لا يناجى إلا من جنابه و لا يوجد إلا من أسبابه فصار اسم الأعظم و مقام الأشرف الأكرم.