تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٧١
و هم أهل كل زمان يؤدى ذلك إليهم عن الرسول صلى اللّه عليه و سلم إمام ذلك الزمان و من ينصبه لأداء ذلك عنه، و أما سورة المنافقون و قراءتها يوم الجمعة مثل ذلك ما تقدمه أن يذكر فى دعوة الحق للمستجيبين من نصبه اللّه و أقامه لهم من أوليائه و يؤمروا بالسعى إليهم و الكون معهم و يذكر لهم أحوال المنافقين عليهم و المكاذبين لهم و يشهر بذلك فى الباطن عند أهل دعوة الحق كما شهروا بذكرهم فى الظاهر فى كل يوم جمعة فى قراءة الإمام سورة المنافقون، و كذلك سن ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كان يقرؤها كل يوم جمعة ليبكت المنافقين بها و يحذر المؤمنين ما صاروا إليه بنفاقهم و يغبط المؤمنين بما هم فيه و يأمرهم بما أوجب اللّه عليهم من المسارعة إلى دعوته فى باطن القول فى ذلك.
و يتلوه نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن يقرأ فى صلاة الفريضة بأقل من سورة و أن يبعض السور فى الفرائض و لا يقرن فيها بين سورتين بعد فاتحة الكتاب و رخص ذلك فى النوافل تأويله ما قد تقدم القول به من أن مثل قراءة فاتحة الكتاب و سورة فى كل ركعة مثل الإقرار بالإمام و الحجة فى دعوة الحق، فما كان منها مما هو مفترض أن يذكر ذلك فيه فى مفاتحة المستجيبين و الأخذ عليهم لم يجز أن يشرك فى ذلك غيرهما و لا أن يحذف من تمام القول فى ذلك شيء و ما كان منه فى نافلة من الكلام مثل ما يجرى فى المواعظ و المذاكرة فلا بأس بمثل ذلك فيه.
و يتلو ذلك ما جاء عن على صلى اللّه عليه و سلم أنه قال فى قول اللّه: «وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» [١] قال بينه تبيينا لا تنثره نثر الدّقل و لا تهذه هذا الشعر قفوا عند عجائبه و حركوا به القلوب و لا يكن همّ أحدكم آخر السورة يعنى أن يسرع بذلك ليفرغ منها و هو فى ذلك لا يتدبر ما قرأ منها و لا يعرف معنى ما قرأه مما أريد به، فهذا هو الواجب و الّذي يؤمر به من قراءته القرآن فى الظاهر أن يستعمله فى قرأته إياه و كذلك ينبغى فى باطن ذلك لمن يفاتح بدعوة الحق و ما يجرى فيها من يجوز له مفاتحته أن يبين لهم ما يفاتحهم به و لا يعجل بالقول فيه و لكن يتأنّى به و يحرك به قلوب السامعين منه بترتيله عليهم و بيانه لهم، و لا يكن همه طلب الفراغ منه على خلاف ذلك.
و يتلو ذلك ما جاء عن الصادق صلى اللّه عليه و سلم أنه سئل عن الإمام إذا
[١] سورة المزمل: ٤.