تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٦٤
من ذريته صلى اللّه عليه و سلم فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، حبل ممدود من السماء إليكم طرفه بيد اللّه و طرفه بأيديكم و هو الحبل الّذي أمر اللّه بالاعتصام به فقال: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ جَمِيعاً وَ لٰا تَفَرَّقُوا» [١] و هو أيضا مثل ما قيل إن سلسلة كانت مدلاة من السماء إلى الأرض لا يلحقها فيتمسك بطرفها إلا من كان على الحق.
و ذلك مثل مضروب لأولياء اللّه، فالسلسلة حلق مدخول بعضها فى بعض و الحبل قوى مفتول، بعضها على بعض. كذلك أولياء اللّه و الأسباب المتصلة بهم عن اللّه عز و جل بعضهم متمسك ببعض كل واحد منهم يأخذ عمن فوقه و من تقدمه و أصل ذلك بيد اللّه، و هو الّذي أوصله إليهم، و طرفه الّذي بأيدى الناس هو صاحب كل زمان فيهم و هو كما ذكرنا مثل القرآن لأنه مقارنه و أليفه على ما قدمنا ذكره، و اللغة توجب أن يسمى الشيء باسم ما صحبه و لاءمه و قارنه، و السجود كما ذكرنا مثله فى التأويل مثل الطاعة.
و جاء فى كتاب الدعائم أن السجدات التى يسجدها قارئ القرآن و المستمع إليه عند قراءته خمس عشرة سجدة، و ذلك مثل الطاعة للإمام و الحجة و الباب و النقباء الاثنى عشر، و قد تقدم ذكر البيان عنهم، فهذه جملة القول فى تأويل جملة السجود فى القرآن، و قد ذكرنا أن مثل قراءة القرآن مثل الفاتحة بدعوة الحق من المفاتح بها، و أن استماع قراءة القرآن من قارئه مثل المفاتحين بدعوة الحق ممن يفاتحهم بها.
فأوّل سجدات القرآن آخر الأعراف، و ذلك قول اللّه عز و جل: «وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ وَ لٰا تَكُنْ مِنَ الْغٰافِلِينَ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لٰا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِهِ وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ لَهُ يَسْجُدُونَ» فهذه السجدة تأويلها طاعة اللّه إذ قد أمر عندها عباده بذكره و خيفته و تسبيحه و نهى عن الغافلة عن ذلك و أخبر أن الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته و أنهم يسبحونه و يسجدون له و ذلك طاعتهم له سبحانه، و كان السجود عند ذلك مثله مثل طاعة اللّه عز و جل.
و السجدة الثانية فى سورة الرعد عند قول اللّه عز و جل: «هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنْشِئُ السَّحٰابَ الثِّقٰالَ وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلٰائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ
[١] سورة آل عمران: ١٠٣.