تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٣٨
و ما أشبه ذلك من الشراب و الإدام مثل ذلك كله تقدم القول به مثل العلم و الحكمة اللذين تغتذى بهما الأرواح كما تغتذى بذلك فى الظاهر الأبدان و يضيء ذلك فى الباطن للبصائر الصحيحة كما يضيء ما يستصبح به من ذلك فى الظاهر لإبصار المبصرين و لا يضيء لإبصار العمى كما لا يضيء نور العلم فى الباطن للذين وصفهم اللّه تعالى بالعمى و إن كانوا فى الظاهر يبصرون بقوله: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لٰا يَرْجِعُونَ» [١] و قوله: «أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمىٰ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ» [٢] و الفأر مثله فى الباطن مثل المنافق كما ذكرنا و إنما اشتق اسم المنافق فى اللغة من النفق فى الأرض و دخول الفأر و اليربوع الّذي هو من جنسه فيه من باب منه و خروجه من باب آخر كذلك يدخل المنافق الإيمان من بابه و يخرج من باب النفاق و ما جانس ذلك من الدواب التى تقع فى السمن و الزيت و اللبن و غيرها من الإدام و الشراب فتموت فيه مما يكون لها دم مثلها فى ذلك مثل المنافق أيضا لأنه قد كان معه و فيه إيمان و علم و مثل موت ذلك فيما مات فيه مما ذكرنا مثل من وصل من العلم و الحكمة إلى ما لا يحتمله و لا يقوم به و أعطاه من ذلك من أعطاه فوق قسطه فأسكره ذلك و حيره و أتلفه فهلك من أجل ذلك كما يهلك الغريق فى الماء و فى غيره من مثل ذلك إذا وقع فيه فإن كان مع من وقع فى الباطن فى ذلك علم من انتحال أهل الضلال شابه بالحق و ألبسه [٣] به كما قال اللّه تعالى: «يٰا أَهْلَ الْكِتٰابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبٰاطِلِ» [٤] فقد فسد ما صار إليه من الحق ما ألبس بالباطل و لا يجوز له و لا لغيره العمل بشيء منه و ذلك مثل ما يموت فى الإدام و الشراب مما له دم و إن موته فيه يفسده و مثل الدم فى البدن مثل العلم لأن حياة كل ذى دم به فإذا نزف دمه أو فسد هلك فمات كما يموت فى الباطن من عدم العلم الموت الباطن الّذي ذكره تعالى بقوله: «أَمْوٰاتٌ غَيْرُ أَحْيٰاءٍ» يعنى الكفار و مثل ما يسقط فى ذلك و لا يموت فيه و يخرج حيّا منه و إن ذلك لا يفسده مثل من دخل فى العلم ثم خرج منه و رفضه و لم يغير شيئا منه و لا ألبسه بشيء من الباطن فذلك العلم بحاله
[١] سورة البقرة: ١٨.
[٢] سورة الرعد: ١٩.
[٣] النسبه (فى ح).
[٤] سورة آل عمران: ٧١.