تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٤٩
صلت الطائفة الأولى ركعتين مع الإمام، و الثانية ركعتين حتى يحصل لكل فرقة قراءة، تأويل ذلك فى الباطن أن الإمام إذا كان فى زمن تغلب أهل الباطن و الخوف و التقية منهم فأقام دعوة الحق لم يعمّ هو و لا من يقيمه للدعاء إليه جميع المستجيبين بها بحضرة أعدائهم و لكنه يخص بذلك فرقة منهم و يدع فرقة يستتر بها من عدوه ليرى أنهم فى غير دعوته و يتوارى عن العدو بمن يخصه لذلك فإذا عرفهم ما يجب فى حدود الدعوة للإمام صرفهم منه فأقامهم للتستر مقام الذين تستر بهم أولا و دعا أولئك فعرفهم مثل ذلك مقتصرا للطائفتين على حدود واجب الأئمة دون واجب الحجج و إقامة ظاهر الشريعة دون تعريفهم حدود الحجة و لا أن يظهر لهم أمره و لا ما فى الدعوة المستورة فى حين الخوف و التقية من العد و لما فى ذلك لو فعله من الخوف عليه و عليهم و على حجته إن كان قد أقامه و ذلك فى وقت المحنة نعوذ باللّه منها، و من الكون فى وقتها، فذلك مثل صلاة الخوف و باطنها و التقصير فيه.
و يتلو ذلك ما جاء عن أبى جعفر محمد بن على صلى اللّه عليه و سلم أنه سئل عن الصلاة عند شدة الخوف و الجلاد حيث لا يمكن الركوع و السجود فقال يومئون إيماء على دوابهم و وقوفا على أقدامهم و تلا قول اللّه عز و جل: «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً» فإن لم يقدروا على الإيماء كبروا مكان كل ركعة تكبيرة، تأويله أنه إذا عظمت المحنة و العياذ باللّه و اشتدت التقية لغلبة أهل الباطل و ظهورهم على أهل الحق كان الفرض على المؤمنين و من يقيم لهم دعوة الحق من الدعاة أن يستروها و لا يظهروا شيئا منها و لا يصرحوا به لمن يأخذون فيه عليه و يومئون إلى ذلك لهم إيماء منهم و يشيرون إليه لهم إشارة يفهمون بها عنهم مرادهم فإن لم يمكنهم ذلك جعلوا مكانه تنزيه اللّه عز و جل و تعظيمه عن جميع خلقه فكانت دعوتهم بتوحيد اللّه عز و جل مما لا ينكره و لا يدفعه من سمعه فذلك تأويل ما جاء من التكبير لمن لم يستطع الإيماء فى صلاة الخوف. و يتلو ذلك:
ذكر صلاة الكسوف: الكسوف الظاهر يكون فى الشمس و فى القمر، و ذلك أن يحول دونهما ساتر يسترهما، و قد تقدم القول أن مثل الشمس فى التأويل الباطن مثل الإمام، و مثل القمر مثل الحجة، فمتى عرض لأحدهما أمر يستتر عن المؤمنين من أجله فذلك مثل الكسوف، فهذه جملة القول فيه.