تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٨٣
فأما الكافر فلا عورة له و لا حرمة فالعورة مخرج الحدث و ما يليه.
و قد جاء أن عورة الرجل ما بين السّرة و الركبتين، و أن المرأة عورة كلها، فباطن ذلك أن أمثال الرجال كما ذكرنا أمثال المفيدين و هم الذين يفيدون من دونهم من المؤمنين العلم و الحكمة، و هم فى ذلك على طبقات بعضها فوق بعض فكل مفيد مثله مثل الذكر و كل مستفيد مثله مثل الأنثى، و المستفيد يجب عليه ستر جميع ما يفيده المفيد، فمثله فى ذلك مثل المرأة التى يجب سترها كلها و المفيد لا ينبغى له كشف جملة ما عنده من ذلك لمن يفيده و إنما ينبغى له أن يفيده أطرافا من الحكمة و العلم و يكشف من ذلك لكل من يفيده بقدره و يكون عنده من ذلك ما يستره عمن دونه ليستحق به الفضل عليه و كان الّذي يجب ستره على الرجل ثلاثة أشياء من بدنه فخذاه و فرجاه و فكاه و من ذلك قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلٰاثَ مَرّٰاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلٰاةِ الْفَجْرِ وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيٰابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلٰاةِ الْعِشٰاءِ ثَلٰاثُ عَوْرٰاتٍ لَكُمْ» [١] فعنى بالذين آمنوا هاهنا المفيدين و بالذين ملكت أيمانكم المستفيدين منهم غير المأذون لهم و بالذين لم يبلغوا الحلم المحرمين المستفيدين و المأذونين الذين لم يبلغوا حد الإطلاق، فأمر المفيدين أن يستروا عنهم من هذه الثلاث العورات كلها فلا يفاتحوهم بما فى حدودها من العلم حتى يجب ذلك لهم و لذلك يجب أيضا الستر عند الخلاء فى الغائط و البول و كل الأحداث و عند الجماع و مثل ذلك فى الباطن أن تكون معاملة المفيدين للمستفيدين فى خلوة و ستر فيما يلقونه إليهم و يحدثونهم به من العلم و الحكمة و يزيلونه عنهم بذلك مما كانوا عليه من الكفر و الشرك و النفاق و المعاصى التى مثلها ما قدمنا ذكره فلا يكون أخذهم العهود عليهم و إلقاؤهم ما يلقونه إليهم و تعريفهم ما به يعرفون إلا فى ستر كما يكون ذلك فى الظاهر من أمثاله التى ذكرناها حذو النعل بالنعل، فمن ذلك ما جاء من الأمر بستر العورة و الارتياد لمواضع الخلاء و البول و الأحداث و التستر عندها و عند الجماع فى الظاهر و الباطن على ما شرحناه و بيناه، و أما النهى عن البول و الغائط فى الماء و عن صب الماء عليهما فمثل ذلك فى الباطن النهى عن شرب العلم بالشرك و الكفر إذا كان ذلك
[١] سورة النور: ٥٨.