تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٧٢
المجلس الخامس من الجزء الأول: [فى ذكر الطهارة]
بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه كما هو أهل الحمد لما أولى من جزيل نعمائه و آلائه، و صلى اللّه على محمد نبيه و على الصفوة من أولياء ذريته.
و أما ما جاء فى كتاب الدعائم من ذكر الطهارة فالطهارة فى الظاهر الوضوء و الغسل بالماء و التيمم بالصعيد لمن يجوز له، ذلك من أحداث الأبدان، و الطهارة فى الباطن التطهر بالعلم و بما يوجبه العلم من أحداث النفوس قال اللّه:
«وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» [١].
و قال: «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ» [٢]. و قد تقدم القول بأن الماء مثله مثل العلم فكما يطهر الماء الظاهر من أحداث الأبدان الظاهرة كذلك يطهر العلم من أحداث النفوس الباطنة و أفاعيلها الردية الموبقة و كذلك يكون الطهور بما يوجبه العلم من الواجبات قال اللّه تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ [٣] و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «الحدّ طهور مما وجب فيه» و قال: «الحمى طهور من رب غفور» و ذلك أن اللّه يكفر بها ذنب من غفر له إذا أصابه بها و قال تعالى: «وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ مَكٰانَ الْبَيْتِ أَنْ لٰا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْقٰائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» [٤]، فلم يسكنه إلا الصفوة من ولد إسماعيل صلى اللّه عليه و سلم و لما تغيرت الأمور من بعده و سكن الحرم المشركون و بعث اللّه نبيه محمدا صلى اللّه عليه و سلم كان فيما أنزله عليه قوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا [٥]، فنفاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن الحرم فكان طهور البيت إسكان أولياء اللّه فيه و إخراج أعدائه منه و لم يكن ذلك بالماء فى الظاهر هو كما يكون الطهور الظاهر، و قال اللّه تعالى لرسوله محمد صلى اللّه عليه و سلم: «يٰا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» [٦] فكان أول ما افترض عليه بعد إنذاره [٧] أن يبدأ بتطهير ثيابه
[١] سورة الفرقان: ٤٨.
[٢] سورة الأنفال: ١١.
[٣] سورة التوبة: ١٠٣.
[٤] سورة الحج: ٢٦.
[٥] سورة التوبة: ٢٨.
[٦] سورة المدثر: ١- ٤.
[٧] الدار (فى ى).