تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٦٧
اللّه و المنسوبين إلى العلم على المجاز لا على الحقيقة.
و مما ذكرناه من أن العلماء بالحقيقة هم أولياء اللّه ما جاء فى كتاب الدعائم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «تعلموا من عالم أهل بيتى أو ممن تعلم من عالم أهل بيتى تنجوا من النار».
و قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الّذي جاء فى الدعائم يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الجاهلين و انتحال المبطلين و تأويل الغالين، يعنى بالعدول هاهنا الأئمة صلى اللّه عليهم فهم حملة العلم الحقيقى الّذي استودعوه و أقيموا لبيانه و نفى التحريف و فساد التأويل عنه و انتحال ما ينتحله الضالون عنهم فيه من القول بآرائهم و أهوائهم.
و مما ذكرناه من أن العالم غير العامل بما يعلمه من علمه لا يعد عالما فى الحقيقة ما جاء فى الدعائم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من قوله: «أول العلم الصمت» يعنى صمت الطالب له لمن يفيده عنه و ترك اعتراضه بالقول و المعارضة عليه فيه كالذى عارض به موسى عليه السلام العالم الّذي صحبه من إنكاره عليه ما لم يعلمه و أن يكون ذلك الصمت مقرونا بالنية فى ترك إنكار ما يسمعه و الاعتراض فيه فإنه متى اعترض السامع على من يفيده بقوله أو أعرض عنه بقلبه حرم نفع ما يسمعه منه كما حرم موسى عليه السلام خير العالم حين اعتراضه عليه و كما لا ينتفع بالقول من أعرض بقلبه عنه و لم يتلقه بالقبول عمن يسمعه منه. قال صلى اللّه عليه و سلم: و الثانى الاستماع يعنى على ما قدمنا القول به من الإصغاء و القبول فأما من استمع ما لم يقبل عليه بقلبه لم يلقنه و لم يعه. و من ذلك قول اللّه: «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّٰى إِذٰا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قٰالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مٰا ذٰا قٰالَ آنِفاً» فأخبر أنهم لم يعوا ما سمعوه و لم يفهموه إذ لم يقبلوا بقلوبهم عليه. قال: و الثالث نشره يعنى نشر ما أذن للسامع فى إذاعته منه لا ما نهى عن إذاعته و نشره، لأن نشر ما منع من نشره و إذاعة ما أمر بكتمانه خيانة و تعد من فاعل ذلك. قال صلى اللّه عليه و سلم: و الرابع العمل به فجعل العمل جزءا من أجزاء العلم و حدّا من حدوده فمن لم يعمل بعلمه لم يكن كاملا فى العلم و لا عالما فى الحقيقة.