تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٦٦
فى ذلك العلم المأثور عن أولياء اللّه و أنبيائه و أئمة دينه صلى اللّه عليه و سلم و المراد بالعلماء هم صلى اللّه عليهم و من تعلم منهم فهو يعد من العلماء على سبيل المجاز باتباعه لهم و توليه إياهم كقوله تعالى: «فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي» [١] و قوله: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [٢] فهم العلماء بالحقيقة صلى اللّه عليهم و سلم، و قد يقع اسم العلماء على المجاز على كل عالم بشيء ما كان فليس أولئك و إن وقع عليهم اسم العلماء ممن يعنى بالعلماء فى الحقيقة و قد يقال فلان عالم بالشر و عالم بالخير و عالم بصنعة كذا و أمر كذا مما يطول ذكره من الأعمال و العلوم التى لا يعد أهلها فى العلماء بالحقيقة كذلك من أحدث علما و انتحله عمن أخذه و استنبطه من ذات نفسه فليس ذلك العلم مما يعد فى العلم الحقيقى الّذي قدمنا ذكره و لا أولئك ممن يعد فى العلماء بالحقيقة و إنما ينسبون إلى العلم و ينسب إليه من أحدثه على سبيل المجاز كما قدمنا بيان ذلك.
و من ذلك قوله تعالى: «بَلْ هُوَ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» [٣] يعنى أولياءه و لا يكون أهل العلم هاهنا كل من علم شيئا ما كان و كذلك قوله: «يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ» [٤] و إنما عنى بالعلم هاهنا العلم الحقيقى الّذي قد قدمنا ذكره المأثور عن أولياء اللّه.
و من هذا أيضا قول النبي صلى اللّه عليه و سلم: «رب حامل فقه ليس بفقيه و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، و قد ذكرنا فى متقدم القول أن تأويل ذلك قد يكون أنه أراد بحامل فقه ليس بفقيه من لم يعمل بما حمله من الفقه و قد يكون أيضا اسم الفقه و الفقيه هاهنا اسما على المجاز كما ذكرنا و الفقه فى اللغة العلم و الفقيه العالم و لكنهم خصوا بذلك العلم بالحلال و الحرام فلزم ذلك لما كثر على ألسنتهم و قد ذكرنا معنى العلم و وجوهه و الفقه يجرى فى ذلك مجراه فيكون المراد بذلك العالم على المجاز الّذي لا علم فى الحقيقة عنده و من ذلك أيضا ما جاء فى كتاب الدعائم عن على من قوله و لا يستحيى العالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، فبين ذلك أنه قد يدعى عالما و إن جهل بعض العلم و ذلك إنما يقع على من ذكرناه من المستفيدين عن أولياء
[١] سورة إبراهيم: ٣٦.
[٢] سورة المائدة: ٥١.
[٣] سورة العنكبوت: ٤٩.
[٤] سورة المجادلة: ١١.