تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٥٥
بالجوارح و اعتقادا بالقلب و ذلك عمل كما جاء مفسرا فى كتاب الدعائم و فيه وجه آخر و هو أنه لما كان مثل الإيمان على ما قدمنا ذكره مثل الباطن و مثل العمل أيضا على ما بينا مثل الباطن كان ذلك شيئا واحدا فكأنه قال إن الباطن باطن كله لا ينبغى إظهار شيء منه فإنه متى ظهر صار ظاهرا.
و من ذلك قوله و القول بعض ذلك العمل و القول كما قدمنا ذكره مثله مثل الظاهر فقوله و القول بعض ذلك العمل يعنى أن الظاهر قبل أن يظهر قد كان من الباطن فلما ظهر صار ظاهرا و هو بعض الباطن و ذلك أن كل ما أتى به رسول من رسل اللّه مما أرسله اللّه تبارك اسمه به إلى عباده مما لم يرسل به من قبله من الرسل فقد كان علم ذلك مأثورا عنده عز و جل و أطلع عليه من شاء من رسله و إن لم يبعثهم به فكان قبل أن يأذن للرسول الّذي تعبده بإبلاغه و تعبد أمته بالقيام به و افترضه عليها باطنا عنده و عند من أودعه علمه من رسله إذ كان قد أخبرهم بأسماء من يأتى من بعدهم و بما يأتون به و كان ذلك من سر علمهم و باطنه الّذي أودعوه المخلصين من أتباعهم الذين أقاموهم حججا على أممهم و كل ما أظهر من الباطن على ألسنة الأنبياء و الأئمة صار ظاهرا و كان قبل ذلك باطنا و لا يزال ذلك كذلك حتى يقوم آخر قائم من أئمة محمد صلى اللّه عليه و سلم و على آله الأئمة من ذريته الّذي هو صاحب القيامة فيكشف الباطن كله و يرتفع الظاهر و العمل كما قال تعالى: «لٰا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمٰانُهٰا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمٰانِهٰا خَيْراً» و كما قال تعالى: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سٰاقٍ» [١] و الساق من الباطن لأنها مما يستر و لا يكشف «وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلٰا يَسْتَطِيعُونَ» يعنى أنه قد ارتفع العمل و الانتفاع بالطاعة فلا يستطاع ذلك.
و أما ما قدّمنا ذكره من فرض الإيمان على الجوارح و ما جاء من ذلك عن الأئمة صلى اللّه عليهم فى كتاب الدعائم فالقول من ذلك أنه فرض على القلب من الإيمان الإقرار و المعرفة و العقد و الرضى و التسليم بأن اللّه هو الواحد لا إله إلا هو وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة و لا ولدا و أن محمدا عبده و رسوله صلى اللّه عليه و آله و الإقرار بما كان من عند اللّه من نبى أو كتاب فذلك ما فرض على القلب من الإقرار و المعرفة.
[١] سورة القلم: ٤٢.