تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣١٥
كمثل الحمار يحمل أسفارا، و الحمار هاهنا مثله مثل عالم أهل الظاهر عندهم، و الأسفار علمه الّذي يأخذه من الكتب المستنبطة بآرائهم و قوله: «قُلْ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ هٰادُوا» يعنى الراجعين عن اتباع الأئمة و الهائد الراجع عن الشيء و من ذلك قيل للتائب هائد لأنه رجع عما كان عليه، و قد تقدم القول بمثل اليهود و من يجرى مجراهم، و قوله: فتمنوا الموت يعنى القائم صاحب القيامة، و مثله مثل الموت لأنه يقضى على الأشياء كما يقضى الموت على الأحياء، فهم لما قدموا من الذنوب لا يتمنون القائم لأن عقابهم يجرى على يديه، و كل ما جرى ذكره فى سورة الجمعة فإنما جرى فى ذكر الناطق الّذي ذكرنا أن مثل دعوته مثل الركعة الأولى من صلاة الجمعة و لذلك يقرأ فيها بسورة الجمعة و أما قراءة سورة المنافقون فى الركعة الثانية فلأنها كما ذكرنا مثل دعوة الحجة التى هى الدعوة المستورة، و إنما يكون النفاق من أجل التكذيب بها و بالحجة صاحبها و لذلك قال اللّه تعالى: «إِذٰا جٰاءَكَ الْمُنٰافِقُونَ قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّٰهِ» فشهدوا له بالرسالة و لم يشهدوا لوصيه بالخلافة و الإمامة، فجرى ذكرهم و ما أنزل اللّه فيهم فى هذه السورة و لذلك يقرأ بها فى الركعة الثانية و القنوت الدعاء عليهم.
و يتلو ذلك ما جاء من اعتماد الخطيب يوم الجمعة إذا قام فى الخطبة بيده اليمنى على قائمة المنبر، و بيده اليسرى على قائم السيف، و هو متقلد به و يصلى به، مثل ذلك فى الباطن أن القائم بدعوة الحق يعتمد على الدعاء بظاهر الحكمة و الموعظة الحسنة كما أمر تعالى بالدعاء بذلك إلى سبيله و ذلك مثل اعتماد الخطيب على قائمة المنبر و هى أعلى رتبته و من ذلك أن من لم يجب إلى ظاهر دعوة الحق جوهد بالسيف، و ذلك مثل اعتماده على السيف و لذلك كانت الخطبة و الصلاة به.
و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: من أدرك ركعة من صلاة الجمعة يضف إليها ركعة أخرى بعد تسليم الإمام فإن فاتته الركعتان معا صلى الظهر وحده أربعا، مثله فى التأويل أن من أدرك دعوة محمد صلى اللّه عليه و سلم و من دخل فى الدعوة المستورة من قبل الحجة فقد دخل فى دعوة الإمام لا فى باطنها و كان ينتحل الإسلام فهو على ظاهر دعوة الشريعة و ذلك مثل من لم يدرك صلاة الجمعة أنه يصلى الظهر و هى كما ذكرنا مثل دعوة محمد صلى اللّه عليه و سلم الظاهرة فافهموا تأويل ما به تعبدكم ربكم، فهمكم اللّه و علمكم و وفقكم، و صلى اللّه