تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٠١
الّذي هو يصلى فيه أو على كمه أو على كور عمامته فذلك ظاهر الصلاة لا ينبغى كما تقدم القول به من الأمر بإخراج المصلى كفيه من كميه و مباشرته بباطنهما و بجبهته ما يسجد عليه و أن ذلك من حدود الصلاة و باطن الكفين من المساجد فتأويل ذلك هو ألا يجعل المطيع لإمامه طاعة أحد يستعمل طاعته من دونه من قبل نفسه كما يكون الكم الّذي يسجد عليه المصلى و الثوب الّذي يصلى فيه و العمامة التى يسجد على كورها من ذاته و مما يستعمله فى صلاته يقوم به و يقصد و يركع به و يسجد و يتشهد و ليس ذلك بمنزلة ما هو بائن عنه مما يسجد عليه من البسط و الثياب و غير ذلك و إنما يجب طاعته من أمر الإمام بطاعته لا من يقيمه المطيع من ذاته و كور العمامة ما دار منها على الرأس يقال منه كور الرجل عمامته إذا لاثها على رأسه أى أدارها عليه فإذا أدار ذلك على جبهته حتى يكون إذا سجد لم يصب منها ما يسجد عليه شيء و غطت ذلك العمامة لم يجز ذلك فى ظاهر الصلاة و كذلك لا يجوز فى باطنها و تأويله على ما ذكرناه و كان مثل الساجد على كمه أو بعض ثوبه الّذي يصلى فيه و على كور عمامته كمثل من اتخذ وليّا من دون اللّه و دون أوليائه أوجب طاعته على نفسه و ذلك مثل السجود على ذلك.
و يتلو ذلك ما جاء عن سؤال السائل جعفر بن محمد صلى اللّه عليه و سلم عن الصلاة على كدس الحنطة، فنهى عن ذلك فقيل له فإذا افترش فكان كالسطح فقال عليه الصلاة و السلام لا يصلى على شيء من الطعام إنما هو رزق اللّه لخلقه و نعمته عليهم فعظموه و لا تطئوه و لا تستهينوا به فإن قوما ممن كان قبلكم وسع اللّه عليهم فى أرزاقهم فاتخذوا من الخبز النقى أمثال الأفهار فجعلوا يستنجون بها فابتلاهم اللّه بالسنين و الجوع فجعلوا يتتبعون ما كانوا يستنجون به من ذلك الخبز فيأكلونه ففيهم نزلت هذه الآية: «وَ ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا قَرْيَةً كٰانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهٰا رِزْقُهٰا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكٰانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّٰهِ فَأَذٰاقَهَا اللّٰهُ لِبٰاسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِمٰا كٰانُوا يَصْنَعُونَ» [١] فالطعام كما جاء فى هذا الباب و قد تقدم القول بذلك مما لا يجب الوقوف عليه و لا الصلاة و لا السجود عليه و مثل الطعام فى التأويل مثل العلم و الحكمة لأن الطعام فى الظاهر به حياة الأجسام الظاهرة و به تتغذى و تنمو و كذلك بالعلم و الحكمة تحيا النفوس و تنمو فليس ينبغى أن يستهان بظاهر ذلك و بباطنه لأن ظاهره و باطنه نعمة من نعم اللّه و فضل من فضله يجب على المؤمنين تعظيم ذلك و إجلاله
[١] سورة النحل: ١١٢.