تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٠
الواحد بعد الواحد فوق كل واحد منهم مبدعه و نزيهه و اعترف برتبة العقل الأول و سبقه و رتبة التالى له و حقه و سبح و قدس حده الّذي هو فى أفقه فأشرفت ذواتهم و علت رتبهم و درجاتهم و اتصل بهم ذلك النور الإلهي و العلم المتناهى الجارى من العقل الأول إلى العقل الثانى المستمر إليهم و به البلاغ إلى الكمال الثانى المحل العالى من الدانى. و هذا هو حقيقة قول سيدنا حميد الدين فى المشرع الخامس من السور الرابع من راحة العقل حيث قال على أن الموجود عن العقل الأول و المنبعث الأول عقول سبعة وجود كل واحد عن الآخر صاعدا إلى المنبعث و أن نور كل واحد منها ساطع سار فيما وجد عن الأول من الحصول و الصورة يريد بذلك عند قيام هذه الدعوة لهم و إجابتهم له واحد بعد واحد إلى أن بلغوا الكمال الثانى الّذي به النجاة و العصمة و الفوز و النعمة و الرأفة و الرحمة.
٨- من الباب الثالث و الفصل الخامس، ص ١٢: ثم إن الشبه [١] الثالث المكنى عنه بالانبعاث الثانى التالى للانبعاث الأول لما تخطاه و ظن أنه و إياه فى حال المساواة انقطعت عنه مادته و أظلمت ذاته و بعد عنه و صار عاشرا فى أفق العقل التاسع هو و من فى ضمنه بعد أن كان ثالثا نظرا إلى انحطاط رتبه و بعده من علته فاستيقظ عن الغافلة و علم أن قد وقع فى الخطيئة و الزلة و تأمل ما السبب الموجب لذلك و ما الموقع له فيما هنالك و أقبل على أقرب العقول إليه مناجيا و لرحمته طالبا و راجيا فذكر تعديه طوره و ذكر أيضا حده السابق عليه حتى جهل و استكبر فاعترف بخطيئته و أقر بزلته و خضع و تاب و استكان و توسل بجميع السابقين عليه إلى ربه و استغفره فغفر له جميع ذنبه [٢] و حنت هذه العقول المجردة عليه و رمت بأشعتها له رحمة و رأفة به لكونه من أبناء جنسها و اتصلت به المواد القدسية و التأييدات العلوية فأشرقت ذاته إشراقا كليّا و تجرد من تلك الظلمة عقلا نورانيّا فبلغ رتبة الكمال الثانى و انتظم فى سلك العالم النورانى فصار من ذوى العصمة و مقامات الرحمة راجيا إلى نفسه كائنا من جملة عالم الصفاء و قدسه معنيّا بما رمز به الكتاب الكريم من قول السميع العليم: «يٰا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبٰادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي» و هو آدم الروحانى المخبر عنه أى الكتاب بعد توبته الآيات: «فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ
[١] الشبح (فى ع).
[٢] ذنوبه (ع).