تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٨٢
عن شماله مثل تسليمه للحجج و السلام عليهم و إقراره بالجميع و بما أتوا به من الظاهر و الباطن. و يتلو ذلك:
ذكر الرغائب فى الدعاء بعد الصلاة: و ذلك ما أمر به فى ظاهر الصلاة من قول الأئمة و ذكروا فضله و الرغائب فيه فى كلام طويل، و ذلك أن يكون المصلى يجلس فى مصلاه بعد أن يسلم من صلاته فيدعو اللّه و ذكروا عليهم الصلاة و السلام أن ذلك من العبادة و أنه من قول اللّه: «فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ» [١] و تأويل ذلك أن المؤمن إذا هو قضى ما عليه فى حدود دعوة الحق و حل من إحرامه وجب عليه أن يدعو غيره إلى مثل ما دعى إليه، فإن أطلق داعيا دعا و إن جعل مأذونا سعى فى مثل ما يسعى فيه المأذون و إن لم يؤذن له فى شيء من ذلك دعا الناس بحسن عمله و امتثاله ما أمر به فإذا رآه من يراه على ذلك علم أنه على خير و أن الّذي صار إليه فيه الفضل فيسارع إليه و من ذلك قول الصادق صلى اللّه عليه و سلم لبعض أشياعه من المؤمنين:
كونوا لنا دعاة صامتين، فقالوا كيف ندعو و نحن صموت فقال تعملون بأعمال الخير و تجتنبون الفواحش و الشر، فإذا رأى الناس ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا فسارعوا إليه، و منه قوله تعالى: «وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا» و الصيد فى التأويل استمالة العوام الذين أمثالهم أمثال الوحوش النافرة لنفارهم عن أولياء اللّه بالكسر عليهم و التلطف بهم و البيان لمن أطلق له البيان و الكسر فمن أجاب منهم كان مثله مثل ما صيد من الوحوش لأن الوحوش لا تسكن إلى أرباب يملكونها كما تسكن الأنعام إلى ذلك التى أمثالها أمثال المؤمنين و أسبابهم على ما تقدم من القول فى ذلك من أمثالهم، فهذه جملة القول فى تأويل الدعائم بعد الصلاة. و من ذلك ما جاء فى هذا الباب فى كتاب الدعائم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: من جلس فى مصلاه ثانيا رجليه يذكر اللّه تعالى و كل اللّه به ملكا يقول ازدد شرفا تكتب لك الحسنات و تمحى عنك السيئات و تبنى لك الدرجات حتى ينصرف، فهذا ما يجرى القول فيه فى ظاهر الصلاة، و تأويله فى باطنها أن من قضى كما ذكرنا ما وجب عليه فى حدود دعوة الحق إلى أن بلغ حد البلوغ و حل من الإحرام و لم يطلق له أن يدعو غيره أقام على ما أمر به فى دعوة الحق و ذلك مثل جلوسه فى مصلاه و هو مقامه فى جملة أهل دعوة الحق من أمثاله فى حده ذلك.
[١] سورة الشرح: ٧.