تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٧٣
و أقامهم خزنة لحكمته و سفراء فيما بينه و بين عباده و السفير فى اللغة المبلغ عن قوم إلى قوم، و السفرة فى اللغة أصحاب الأسفار و هى الكتب واحدها سفر و قال المفسرون فى قول اللّه تعالى بأيدى سفرة قالوا هم ملائكة سماء الدنيا قالوا و هم كتبة الملائكة الذين يكتبون أعمال أهل الأرض فحاموا حول التأويل و لم يعرفوه و قد ذكرنا تأويل الملائكة و أن أسماءهم مشتقة من «المألكة» [١] و هى الرسالة و كذلك الملائكة هم رسل اللّه و رسل رسله و سيأتى أمرهم بتمامه فى موضعه إن شاء اللّه تعالى، و كذلك كما ذكرنا يجرى اسم الملك على كل من ملك شيئا بالحقيقة من أمور العباد من أهل دعوة الحق و أرسل فى ذلك إليهم لأنهم يتصلون فى ذلك بالملائكة الذين هم رسل اللّه و يؤدون إلى العباد ما أدته الملائكة عنه بعضهم إلى بعض حتى اتصل ذلك بأنبياء اللّه، و اتصل عن الأنبياء إلى كل قائم بذلك مرسل فيه المعنى فى ذلك يجمع جميعهم و مما تقدم ذكره من الأمر بالتوسط فى دعوة الحق قول اللّه تعالى: «وَ لٰا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لٰا تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ» [٢] «و قوله: «وَ الَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا» [٣] و قوله: «وَ مٰا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ» [٤] أى شحيح و قوله:
«وَ لٰا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» و غير ذلك مما أمر اللّه به من التوسط فى أمور الدنيا و الدين.
و جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال دين اللّه بين الغالى و المقصر، و جاء عنه أنه قال: خير الأمور أوسطها؛ فهذا و ما هو فى معناه يدخل و يجرى فيما ذكرناه من أمر الصادق صلى اللّه عليه و سلم بالتوسط بالقراءة فى الصلاة ظاهرا و باطنا.
و كذلك ينبغى للمؤمن أن يتوسط فيما يأخذه من دعوة الحق و يقتصر فى ذلك على ما يلقيه إليه من الدعاة من وصفناهم بالتوسط و العدل و حسن السياسة فى ذلك و لا ينزع بنفسه و ابتغائه من ذلك إلى ما لم يبق إليه و لم يبلغ إلى حده فيهلك. فافهموا أيها المؤمنون و اعقلوا آداب أولياء اللّه و إياكم و الواجب عليكم فيما حملوكم، أعانكم اللّه على ذلك و وفقكم منه إلى ما يرضيه و يزكو لديه و يزدلف به إليه و صلى اللّه على محمد نبيه و على الأئمة الأبرار من أهل بيته و سلم تسليما.
المجلس الرابع من الجزء الخامس: [فى صفات الصلاة]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الأزلى القديم لا بمجارى الأوقات، الباقى لى
[١] الملائكة (فى ى).
[٢] سورة بنى إسرائيل: ٢٩.
[٣] سورة الفرقان: ٦٧.
[٤] سورة التكوير: ٢٤.