تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٦٢
وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، فلما سمع إبراهيم ما عند ذلك الداعى مما لم يكن سمع من الّذي أخذ عليه مثله أعظمه و ظن أنه هو غاية المطلب فقال هذا ربى، و قد ذكرنا أنه يقال لمالك الشيء ربه كما قال يوسف عليه الصلاة و السلام لرسول الملك لما أتاه إلى السجن «ارْجِعْ إِلىٰ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مٰا بٰالُ النِّسْوَةِ اللّٰاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ» [١] و إنما خاطب اللّه تعالى بالقرآن العرب بلغتها بحسب ما تفهمه و تعرفه منها، و هم يقولون هذا رب الثوب و رب الدار و رب المال و رب العبد لمالكه و رب الشيء لمربيه و للمنعم عليه، فلما أطلعه على الحد الّذي فوقه علم أنه ليس هو بالذى ظن و كذلك الثانى و الثالث، و سيأتى ذكر ذلك بتمامه و شرحه فى موضعه إن شاء اللّه تعالى، فلما وقف إبراهيم على غاية الحدود الأرضية قال: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» [٢] فاعترف بالوحدة لبارى البرايا و أن كل حد دونه و كل شيء فهو مخلوق مربوب و هو خالقه و ربه، فصار ذلك الإقرار من الواجب على من صار إلى دعوة الحق ليعتقده و لا تدخل عليه شبهة معه فيمن يعظم فى قلبه من البشر لما يراه فيه من القوة و يجده عنده من العلم و الحكمة فيجاوز به حده و جعل ذلك القول فى افتتاح ظاهر الصلاة ليدل على معناه فى باطنها و يشهد له كما ذكرنا أن كل واحد من الظاهر و الباطن دليل على الآخر و شاهد له.
و يتلو ذلك التعوذ كما ذكرنا من الشيطان الرجيم و قد تقدم ذكر تأويل الشيطان و أنه من بعد من أعداء اللّه عن أولياء اللّه بعد إنكار لهم و كفر بهم فيلجأ المستجيب بعد ذلك إلى اللّه و يعوذ به من أن يصده صاد من الشياطين عما أخلصه له من ذلك و أقر و اعترف به و عن شيء مما أمر به فى دعوة الحق التى صار إليها.
و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: ليضرب أحدكم ببصره فى صلاته إلى موضع سجوده، و نهى أن يطمح المصلى ببصره إلى السماء و هو فى الصلاة.
و عن جعفر بن محمد صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: و لا تلتفت عن القبلة فى صلاتك فتفسد عليك فإن اللّه قال لنبيه: «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ». و اخشع ببصرك و لا ترفعه إلى السماء و ليكن نظرك إلى موضع سجودك.
[١] سورة يوسف: ٥٠.
[٢] سورة الأنعام: ٧٩.