تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٣٧
سترة فليدن منها فإن الشيطان يمر بينه و بينها و حد فى ذلك كمريض الثور، تأويل ذلك ما قد تقدم القول به أن دعوة الباطن لا تكون إلا فى سترة [١] و خلوة عن أهل الظاهر و معنى الدنو من السترة هاهنا ألا تكون تلك الخلوة فى مكان فسيح يمر فيه من ليس من أهل الدعوة فيسترق السمع هو و الشيطان الّذي ذكر فى الخبر و قد ذكرنا تأويل الشيطان و اشتقاقه فى غير موضع.
و أما قوله فى حد ذلك أن يكون كمربض الثور فإن البقر فى التأويل أمثالها أمثال الحجج و مربض الثور هو مرقده فأراد أن يكون ذلك أعنى الدعوة فى مكان الحجة و موضعه إذا كانت دعوة الباطن إليه.
و يتلو ذلك كراهة الصادق صلى اللّه عليه و سلم التصاوير فى القبلة، فالقبلة فى التأويل مثلها مثل الحجة لأهل دعوة الباطن و أساس الشريعة و هو وصى النبي صلى اللّه عليه و سلم و من ذلك قوله تعالى لمحمد صلى اللّه عليه و سلم: «قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا» [٢] يعنى عليّا صلى اللّه عليه و سلم و نصبه للحجة و أساسا للإمامة من بعده و أمر الناس بالتوجه إليه و أن يوليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم شطر المسجد الحرام و هو وجهه الّذي قال فيه فول وجهك شطر المسجد الحرام، و قد ذكرنا أن مثل المسجد الحرام مثل الناطق و دعوته و حجة الناطق هو وجهه الّذي يتوجه إلى الناس به فى التأويل و توليته شطر المسجد الحرام هو توليته باطن الدعوة و هى نصفها لأنها دعوتان ظاهرة و باطنة، فظاهر الدعوة تكون للناطق يقيم بها ظاهر الدين و أحكامه.
و باطنها و هى الدعوة الباطنة يقيم لها حجته و يقيم الحجة لها نقباءه و دعاته يدعون إليها فهذا تأويل قوله: «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» أى ول أمر وصيك أمر الدعوة الباطنة ثم قال لجميع المؤمنين: «وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» أى حيث ما كنتم فاقبلوا على دعوة الحق، و تأويل كراهية التصاوير أن تكون فى القبلة فالتصاوير هاهنا فى التأويل المتشبهون بأولياء اللّه الذين جلسوا مجالسهم و انتصبوا للناس يدعون مقاماتهم كما يشبه بالتصاوير أمثال ما صورت عليه فكانت الكراهة و النهى فى ذلك أن يتوجه إليهم بأن يعتقدوا أئمة كما تسموا، و كذلك يجب فى حكم الشريعة استقبال
[١] ستر (فى ى).
[٢] سورة البقرة: ١٤٤.