تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢١٠
وصفهم اللّه تعالى بقوله: «وَ لَوْ تَرىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نٰاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» [١] فجاء بيان ذلك فى الظاهر و معناه فى كتاب الدعائم و تأويله فى الباطن أن الأعناق فى التأويل مثل الظاهر لأنها ظاهرة و مما يظهر من خلق الإنسان و لا يستتر و من ذلك قوله تعالى فى قصة سليمان: «إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّٰافِنٰاتُ الْجِيٰادُ فَقٰالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّٰى تَوٰارَتْ بِالْحِجٰابِ رُدُّوهٰا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْنٰاقِ» [٢] زعمت العامة فى تأويل ذلك أنه عرض عليه خيل له فاشتغل بها إلى أن غربت الشمس ففاتته قالوا صلاة العصر فضرب أعناقها و عقرها و أن ذلك هو التأويل عندهم و مثل هذا يتنافى عن أولياء اللّه أن يفعلوه و لا ذنب للخيل فيه و عقرها غير واجب و لا مباح بل هو من الفساد و العبث و مثل هذا مما يكون خبر الأمر فيه و النهى يحتاج فيه إلى إقامة ظاهره و باطنه فقد يكون المراد به الظاهر وحده و يكون مما لا باطن له و قد يراد به الباطن و يكون الظاهر منه إنما ضرب مثلا له و كناية كنى بها عنه و هذا معروف فى لغة العرب الذين خوطبوا بالقرآن بها و من لباب كلامهم و جواهر ألفاظهم و مما يعد من علمهم و يوصف به أهل النباهة و المعرفة منهم أن يكنوا بالشيء عن الشيء و يضربوا الشيء مثلا لغيره و كذلك أنزل اللّه من ذلك فى القرآن ما أعجزهم و أحوجهم فى بيانه إلى الرسول الّذي علمه ذلك البيان الّذي علمه فقال: «لٰا تُحَرِّكْ بِهِ لِسٰانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنٰا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ فَإِذٰا قَرَأْنٰاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنٰا بَيٰانَهُ» [٣] «وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ (يعنى البيان) لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» [٤] و تأويل ما ذكر تعالى عن سليمان من قوله إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد يعنى الخيل و صفونها هو قيامها على ثلاث قوائم و ترفع قائمة عن الأرض و تضع طرف سنبكها أى حافرها عليها لتستريح بذلك و أكثر ما يفعل ذلك الخيل و قد قرأ بعض القراء فاذكروا اسم اللّه عليها صوافن يعنى الإبل حين تنحر فتعقل إحدى قوائمها و تقف على ثلاث و قرأ آخرون صواف أى مصفوفة و قرأ آخرون صواف أى خالصة للّه و الخيل فى التأويل الحجج الذين هم أكابر الدعاة و صفون الداعى وقوفه على حد إمامه و حجته وحده فى ذات نفسه و نصبه مأذونه الّذي يكسر له و يدعو ليستريح به و عرضهم هو أن عرضهم سليمان
[١] سورة السجدة: ١٢.
[٢] سورة ص: ٣١- ٣٣.
[٣] سورة القيامة: ١٦- ١٩.
[٤] سورة النحل: ٤٤.